بقلم: خالد موسى
عضو رابطة علماء اليمن
العلامة الشهيد: محمد المولد
نموذج قرآني للعالم الرباني، والمربي التقي والسياسي الألمعي، والإداري اللوذعي
فاجئني زكريا ولد العلامة الدكتور الشهيد/ محمد المولد باتصال قبل موعد خروج الكتاب الذي تعهد لجنة من دكاترة وأكاديمي جامعة البيضاء عن حياة والده العطرة والمباركة المليئة بالدروس العظيمة، والمواقف الطيبة والمشرفة والأخلاق الراقية التي كان عليها ، وعرف بها قبل أن يكون وزيرا، وبعد أن صار وزيرا، ونظرا لضيق الوقت وأهمية الموضوع وعظمة السيرة التي تميزت بها حياة الشهيد، وعظمة المواقف الإيمانية التي عرفناه بها، وعرفتنا بمعدنه الأصيل قبل ظهور المشروع القرآني، وبعد ظهوره فقد ترددت في الكتابة عنه، وكان بودي أن أعتذر نظرا لضيق الوقت لكني عقدت العزم على الكتابة مستعينا بالله، ومستمدا منه التوفيق، وراجيا منه العون لتقديم ما يفيد، ويقتدى به عن هذا الرجل العظيم الذي بأمثاله يقتدى، ووسمت هذا المقال بعنوان: نموج قرآني للعالم الرباني، والمربي التقي والسياسي الألمعي، والإداري اللوذعي
النموذج القرآني للعالم الرباني
معرفتي بالعلامة محمد المولد بدأت قبل أكثر من عشرين عاما عندما كنت طالب علم في الجامع الكبير بالروضة بمركز الإمام أحمد بن القاسم، عندما كان يأتي زائرا لفضيلة العلامة/ محمد بن أحمد مفتاح-يحفظه الله- القائم بأعمال رئيس الوزراء حالياً فعندما كان العلامة محمد أحمد مفتاح خطيباً للجامع الكبير بالروضة، قبل أكثر من عشرين عاما وكان الفقيد يأتي لزيارته كانت تعجبني وتأسرني هيئته العلمائية، وهندامه العلمي، وعمامته الجميلة ولم تكن الهيئة التي يظهر بها مجرد هيئة شكلية، أو مظهراً بلا جوهر كما هو حال كثير من المعممين وأدعياء العلم الذين ليس لهم من العلم إلا الهيئة أو الشكل بل كانت هيئة فقيدنا مكملة للمضمون والجوهر، وللعلم فإن العلامة محمد المولد من العلماء المبرزين في اللغة العربية، وأبعادها وصورها البلاغية، وانعكس اهتمامه، وشغفه باللغة العربية انعكاساً عملياً في لغته عندما كان يتكلم، ويعبر عندما يخطب الجمعة، وعندما يحاضر، ويعظ، وعندما يُدَّرس، وكانت آخر أيامه مع دروس البلاغة التي كان يقدمها لطلاب العلم بأكاديمية البدر.
لقد كان نموذجاً قرآنياً للعالم الرباني الذي يجسد أخلاق القرآن الكريم، ويقدم هدايته من موقع المسؤولية والقيادة، والقرار، والإدارة، والسلطة التي لم تزده إلا تواضعا للناس، وقرباً منهم، واحتراماً لهم، وهذا ما كنت ألمسه منه عندما أتصل به، أو يتصل بي، وعندما كانت الرابطة تستعين به في أعمالها، وندواتها، ومؤتمراتها، وتطلب من الكتابة في مجلتها(الاعتصام) وللعلم قبيل استشهاده بأيام وبعد أن اتصل به مفتي الديار اليمنية السيد العلامة/ شمس الدين بن محمد شرف الدين يحفظه الله لاستشارته والاستعانة به في المؤتمر العلمائي الذي أقامته الرابطة قبيل المولد النبوي لهذا العام 1447هــ ما كان من فقيدنا رغم انشغالاته، ومواعيده إلا أن يأتي بنفسه إلى مقر الرابطة ليقدم المشورة مباشرة بنفسه، ومما لفتني، واستدعى انتباهي ما قاله المفتي عندما وصل بعد خروج العلامة محمد المولد فقال لي المفتي بعد أن علم بمجيئه إلى مقر الرابطة: هل اعتذرت لي منه (قوي) هكذا (قوي) وكان هذا قبل استهدافه واستشهاده بطائرات العدو الإسرائيلي بأيام قليلة.
إن العلامة الدكتور/ محمد المولد نموذج راق، وخير شاهد على أن العلم النافع هو العلم الذي يبني حامله في كل مجالات الحياة العلمية، والتربوية، الأخلاقية، والروحية، والسياسية، والإدارية، ومن يعتقد أنه لا علاقة للعالم أو الداعية، والمرشد بالشأن السياسي، أو الإداري للأمة فهو يخدم العلمانية، وأهداف الشيطانية، وأجنداتها الغربية، ومدارسها الفكرية الكفرية التي فصلت الدين عن شؤون الحياة العامة للناس والأمم والشعوب، ومن أخطر وأكبر الجنايات اليوم جناية القول بأن العالم لا دخل له بالسياسة، ولا بإدارة شأن الأمة، ولا بتصحيح مسار الدولة ولا دخل له بقضايا الأمة، وهمومها وتطلعاتها، وما يتهددها من أخطار ومؤامرات.
لقد كان العلامة محمد المولد سياسياً ألمعياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، ووظف علمه التوظيف الصحيح، والسليم فيما فيه رضا لله، وقربة إليه، وإحسان إلى عباده، وفي مجال الإدارة كذلك سواء إدارته التربوية والتعلمية التي بدأ بها مشوار حياته في الحرم الجامعي في البيضاء، وذمار، أم في صنعاء.
إن الكلام عن مواقف، ومآثر هذا العالم الرباني كثيرة ولا يتسع لها المقام ولا يسعفنا الوقت لسردها كلها ، والأهم هو أن تتحول سيرة هذا الرجل العظيم والمجاهد إلى مدرسة لأسرته وأولاده وطلابه ومحبيه، وتكون حافزاً لكل عالم في تقديم النموذج الجذاب، الذي يجسد أخلاقيات، ويترجم سلوكيات العالم الرباني وهو في موقع السلطة.
ونختم هذا المقال بأهم محطة من محطات حياته التي تميز بها العلامة/ محمد المولد وهي المحطة العلمية فقد كان عالماً، شغوفاً بالعلم، مهتماً به، حريصاً على كل الحرص على الزيادة منه، والتلقي له من عند العلماء الربانيين، ومما يميز حياته العلمية أنه دروس العلوم الشرعية النافعة عند علماء الزيدية والشافعية، وتوج حياته العلمية بالدروس القرآنية التي قدمها الشهيد القائد الحسين بن بدر الدين الحوثي، ولم يأنف، أوتأخذه العزة، ويأسره الغرور عن الاطلاع، والاستفادة من ملازم الشهيد.
العلامة الدكتور محمد المولد خاض تجربة علمية وفكرية وسياسية متميزة، وبدأت تجربته بكثير من المعاناة، والمواجهة مع الفكر الوهابي الداعشي لاسيما في محافظة البيضاء التي بيض فيها وجه المشروع القرآني بأخلاقه الراقية، وترجم فيها المبادئ القرآنية، والقيم والإيمانية التي قدمها الشهيد القائد في دروسه، وكان أنموذجاً في التقشف، والورع، والنزاهة، والرضا بالقليل من متطلبات العمل، سواء أثناء تحركه التوعوي التعبوي في البيضاء، أو بعد أن صار وزيراً للشباب والرياضة.
كذلك تميزت الحياة العلمية للعلامة محمد المولد بالكثير من الميزات التي تستحق التوقف والتأمل ومن أهم الميزات التلقي للعلوم الشرعية النافعة من مصادرها الأصيلة والنقية والجمع بين التحصيل العلمي، والارتقاء النفسي والروحي المعبر عنه بعلم التزكية او التصوف ومن عرفه عن قرب ومجالسة ومسايرة في الأسفار يدرك تماما مدى بساطته، وتواضعه وهذا ما ختم به حياته وهو وزير فقد كان لنا شرف النزول معه في الزيارات التي قام بها إلى مديرية الحيمة الخارجية، ومديرية الحيمة الداخلية، ومديرية بني مطر وغيرها من المديرات التي رافقناه فيها فغمرنا بتواضعه الجم، وابتسامته الجميلة، وفكاهته المعبرة، وأسئلته البسيطة للطلاب والطالبات.
لا ننسى الدور الأكاديمي الكبير للفقيد في الصرح العلمي، والحرم الجامعي بجامعة البيضاء وحضوره كأكاديمي يقدم المحاضرات، ويحيي الفعاليات، والأنشطة التعبوية، ويسهم في تحصين طلاب الجامعات من الحرب الناعمة، ومن الدعايات والإشاعات الكاذبة التي يروج لها التكفيريون، ويتبناها الحاقدون على المسيرة القرآنية، وقيادتها المباركة.
أملنا في أولاد المرحوم أن يكونوا خير خلف لخير سلف، وأن يحيوا سيرته سلوكاً، ويقدموا مسيرته وعياً والتزاماً، ويترجموا ولاءهم تسليماً وطاعة للسيد القائد، ويكونوا حاملين لفكر والدهم ونهجه القرآني، ويقتبسوا من حياته المباركة، وروحيته الجهادية ما يؤهلهم لمواجهة الأخطار والتحديات، والصبر على ما صبر عليه والدهم في معركة الفتح الموعود والجهاد المقدس.