بقلم: محمد صالح جسار
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23) ) صدق الله العظيم.
عرفت الشهيد المبارك العالم الرباني المجاهد المؤمن الدكتور محمد علي أحمد المولد - رحمة الله تغشاه - منذ مرحلة مبكرة، تقريباً في العام 2008م، وذلك حين كنت أحد طلابه في المركز الصيفي بمدرسة الميثاق في بني مولد التي كانت قريته التي ولد ونشأ فيها، ورغم أنه كان يسكن في مدينة البيضاء إلا أن حرصه وحبه لأهله وأبناء قريته ومنطقته واستشعاره للمسؤولية الدينية في نشر العلم والهدى وحرصه على ترسيخ الثقافة والوعي، كانت أبرز دوافعه للتحرك والعمل في قريته خلال تلك الفترة.
كنت على تواصل مستمر به تلفونياً وبعض اللقاءات في أثناء زياراته المتكررة للقرية حيث كان يمكث فيها أياماً، ينشر فيها العلم والثقافة القرآنية في مجالس القات وفي محاضرات ما بين صلاتي المغرب والعشاء، وكان الجميع يستمع لحديثة العذب المؤثر بصدق الكلام وحسن الحديث ووضوح الحجة وقوة الإقناع، حيث كان رحمه الله عالماً كبيراً ولغُوياً مميزاً ورجلاً حكيماً، وبرغم أن تلك الفترة كانت مشحونة بالأزمات السياسية وتحرك كبير للجماعات السلفية الوهابية والإخوانية في نشر الخلافات المذهبية والتي كان الشهيد رحمه الله يتصدى لها بحكمة فائقة ووعي كبير ومسؤولية عالية، فلم يكن ممن ينجروا للمجادلات والمناكفات، بل كان يفوّت الفرصة على من كانوا يتحركون في ذلك المجال بذكائه وحكمته وحسن حديثة وبما يملكه من ملكة في الاقناع من الرد القوي المقنع الذي لا يملك المناكف والمعارض له إلا التسليم له عن طيب خاطر واقتناع، أو السكوت والانسحاب عندما لا يجد ما يقوله بعد تقديم الدليل إليه وإقامة الحجة عليه.
كان الشهيد الدكتور رضوان الله عليه واسع العلم عميق الفهم حكيم الرأي يعرف طريقه الذي يمشي عليه ويعي الواقع الذي يعيش فيه والمجتمع الذي يتحرك فيه، وكان إنساناً مميزاً بين اخوته وبين زملائه وأقرانه وحتى من بين العلماء في عصره، فكان نعم العالم الرباني الرسالي الذي سخّر حياته ومماته في سبيل الله وفي سبيل العلم.
يعامل مع الجميع بابتسامة لطيفة وأخلاق كريمة وبرجولة وشهامة قل نظيرها، وكان مثالاً وقدوة في كل أفعاله وتحركاته يصنع الجميل ويعمل الصالح ويترك الأثر الطيب في نفوس وواقع كل من عرفه أو التقى به، وكان الجميع يحبه ويحترمه بشكل كبير ومع كل ذلك تراه بشوشاً متواضعاً متفهماً يترك في المحب والصديق والمقرب عزماً قوياً وقدوة حسنة، وفي الخصم والمحايد صنعاً جميلاً وشعوراً طيبا.
مع بداية أحداث ثورة 11 فبراير 2011م، ازدادت علاقتي به وارتباطي معه بشكل أكبر، وفي العام 2012م، ومع التحرك النشط والانتشار الواسع للمسيرة القرآنية المباركة كنت أنا والشهيد مطهر عبده عبدالرزاق – استشهد في تفجير جامع الحشحوش بصنعاء في العام 2014م - قد اختارنا الشهيد الدكتور محمد المولد للدراسة في مدرسة البدر للعلوم العليا في صنعاء، وكان يتابعنا باستمرار ويحرص على أن نستفيد ونتحصل على أكبر قدر من العلوم الشرعية والقافة القرآنية، فيما كان هو لا يزال في محافظة البيضاء يتابع أعماله وحركته الجهادية، وإذا بجماعة تنظيم القاعدة تعلن أن الدكتور محمد المولد أصبح مستهدفا لديها وأنه مهدور دمه في أي وقت وفي أي مكان، مما اضطره رحمه الله للهجرة إلى صنعاء حيث انضم للتدريس في مدرسة البدر.
في مرحلة الثورة الشعبية التصحيحية في العام 2014م تحرك الشهيد المولد بشكل فاعل ومؤثر فيها، وازداد نشاطه حتى تكللت بالنجاح والنصر في الـ 21 سبتمبر من العام نفسه، ليتولى بعدها مهاما اشرافية في محافظة البيضاء ثم يُعيّن أميناً عاما لجامعة البيضاء، ورئيساً لدائرة العلماء والمتعلمين في ذات المحافظة، إضافة إلى كونه عضواً في رابطة علماء اليمن.
اختارته القيادة السياسية والثورية وزيراً للشباب والرياضة في العام 2024م، في إطار حكومة التغيير والبناء التي كان يعول عليها كثيراً في إحداث نقلة نوعية في الواقع اليمني وتأسيس مرحلة قوية ومفصلية هامة من تاريخ اليمن، وبالنسبة له لم يكن يرى في الوزارة منصباً حظي به بل أمانة ومسؤولية وموقعاً مهماً يقدم فيه خدماته لأمته وشعبه، رغم المخاطر التي كان يتعرض لها والاستهداف متعدد الجهات التي كانت تترصد اليمن وقياداته طوال الوقت، وكان مما زاد الأمر خطورة هو مشاركة اليمن الفاعلة والمؤثرة في معركة لفتح الموعود والجهاد المقدس المساندة لعملية طوفان الأقصى التي انطلقت في يوم 7 أكتوبر 2023م.
عاش حياته صادقاً وفياً ثابتاً وقوياً في عقيدته ومبدأه واعياً لمسؤوليته وواجبه، حتى اصطفاه الله شهيداً سعيداً برفقة عدد من الوزراء في حكومة التغيير والبناء، في أشرف وأقدس معركة في هذا العصر بقصف للعدو الإسرائيلي استهدف اجتماعاً للحكومة في العاصمة صنعاء يوم الخميس الموافق 28 أغسطس 2025م. وقد فاز بأعظم وسام إلهي اختاره الله له ومنحه إياه وهي الشهادة في سبيل الله وفي سبيل نصرة المستضعفين.
فقدت اليمن بشهادته رجلاً مجاهداً وقائداً عظيماً وعالماً ربانياً كبيراً، وكانت الخسارة باستشهاده كبيرة لأن من أعظم نكبات الأمة أن تفقد عظماءها ووفاة العالم ثلمة في الدين لا تُسد، ولكن عزاؤنا أنه استشهد مناصرا للحق والقدس وفلسطين فهو بحق شهيد القدس وفلسطين، وسيذكره التاريخ والأجيال بذلك فهو حيٌ بمنهجه وثقافته وأثره.
استشهد الدكتور محمد المولد بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء والجهاد والتضحية فسلام الله ورضوانه وبركاته عليه يوم ولد يوم جاهد ويوم استشهد ويوم يلقى الله تعالى.
يعتصرنا الألم والحزن بعد رحيله ومهما يصف الإنسان ذلك الرجل العظيم ومهما كانت بلاغته لن يوفيه حقه من الوصف والحديث عن مناقبه وصفاته ومآثره؛ ولكننا نقدم العهد ونقطع الوعد له ولكل الشهداء أن نواصل مشوارهم وأن نظل ثابتين على المسيرة القرآنية التي ساروا عليها حتى النصر أو الشهادة إن شاء الله.