بقلم: عمر عبدالملك علي عبد الواسع
مدير مكتب مدير الشباب والرياضة بمحافظة تعز
بسم الله الرحمن الرحيم
الحديث عن الشهيد الدكتور محمد علي المولد، وزير الشباب والرياضة، ليس حديثًا عابرًا يُقال في مناسبة، ولا كلماتٍ تُسطَّر من باب الواجب، بل هو حديث عن مدرسةٍ من الأخلاق والمبادئ والقيم، عن رجلٍ جمع بين القيادة والتواضع، وبين الفكر والعمل، وبين الإيمان بالفعل والتصديق بالقول.
كان الدكتور المولد – رحمه الله – نموذجًا نادرًا للقائد المخلص، الذي لم تجرفه المناصب، ولم تغيّره الأيام، بل ظلّ كما عرفه الجميع: بسيطًا في مظهره، عظيمًا في جوهره، يحمل في قلبه همّ الوطن، وفي عقله مشروع الشباب، وفي روحه إيمانًا عميقًا بأن العمل في سبيل الله والوطن لا يحتاج إلى ضجيج ولا أضواء.
التقيتُ به مرتين فقط، لكنهما كانتا كافيتين لأدرك أنني أمام قائد استثنائي، وأبٍ عطوفٍ، ومعلّمٍ يزرع في من حوله الأمل، ويصنع الأجيال بعقله الهادئ وكلماته الملهمة. كان يسمع للجميع، ويبتسم لكل من حوله، ويؤمن أن الوزارة ليست كرسيًّا ولا منصبًا، بل مسؤولية وأمانة ورسالة يؤديها الإنسان وهو واقف بين يدي الله.
كان يؤمن بأن الشباب هم عماد الأمة ووقود نهضتها، فكرّس حياته لبناء جيلٍ واعٍ، ينهض بوطنه ويواجه التحديات بروحٍ مؤمنةٍ وهمةٍ عالية. كان دائم الحديث عن أهمية الوعي، والتربية، والمسؤولية الجماعية في بناء المجتمع. وكان يرى في كل شابٍ مشروعًا لقائدٍ، وفي كل فكرةٍ بذرةً لمستقبلٍ أفضل.
ولم يكن إيمانه بالقضايا الكبرى نظريًا أو شعاراتيًا، بل كان حيًّا في أفعاله ومواقفه. فقد كان من أشدّ المدافعين عن القضية الفلسطينية، ويرى أن نصرة فلسطين واجبٌ دينيّ وإنسانيّ، وأنها قضية الأمة كلها لا تخصّ شعبًا واحدًا. كان يذكّر دائمًا بأن الدفاع عن المظلومين هو جوهر رسالة الإسلام، وأن الوقوف إلى جانب الحق شرف لا يتراجع عنه الأحرار.
ورغم انشغالاته الكثيرة ومسؤولياته الكبيرة، ظلّ قريبًا من الناس، يشاركهم أفراحهم وأتراحهم، يسأل عن أحوالهم، ويشجع الشباب على العلم والعمل، وعلى مواجهة الصعوبات بروحٍ صابرةٍ لا تعرف اليأس. كان يرى أن بناء الإنسان هو أهم إنجاز يمكن أن يقدمه أي مسؤول لوطنه.
استشهد – رحمه الله – وهو في قمة العطاء، واقفًا بثبات الرجال، صامدًا أمام التحديات، رافعًا راية الحق والعزة. لم يرحل عن الدنيا إلا بعد أن ترك بصمةً لا تُمحى، وسيرةً ستتوارثها الأجيال، وذكرياتٍ تشهد أنه عاش صادقًا ومات كريمًا.
إن فقدان أمثاله خسارةٌ كبيرة للأمة وللوطن وللشباب الذين رأوا فيه قدوتهم ومُلهمهم. ولكن عزاءنا أنه قد نال ما كان يتمناه، شهادةً في سبيل الله، وأن روحه الطاهرة انتقلت إلى جوار ربها راضيةً مرضيةً بعد حياةٍ حافلةٍ بالعطاء والنقاء.
رحم الله الشهيد الدكتور محمد علي المولد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل دمه الطاهر نبراسًا للأجيال القادمة، يضيء لهم طريق الإخلاص، ويذكرهم أن العظمة ليست في المنصب، بل في الأثر الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.
ونعاهد الله ثم الشهيد أننا سنظل أوفياء لدمائه ولقضيته، ماضين على نهجه، متمسكين بالمبادئ التي عاش من أجلها، ولن نسمح أن تُنسى سيرته أو تُهمَل ذكراه.
سلامٌ عليه يوم ولد، ويوم جاهد، ويوم استشهد، ويوم يُبعث حيًّا.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل الجنة مثواه ومأواه.