بقلم الأسيف:
سمير أحمد عبد الله اللسواس
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين
عندما نكتب عن الشهيد المغفور له بإذن الله الدكتور محمد علي أحمد المولد، فإننا نحاول أن نعبّر عن جزءٍ يسير من حزننا وألم فقدنا له، فمهما كتبنا وسردنا، ستبقى الكلمات قاصرة والمعاني عاجزة عن الإيفاء بحقه.
ولو كانت للكلمات صفات، لمنحناه أسمى الصفات وأجمل المعاني التي تليق به، فقد كانت حياته تتسم بالبساطة والعفوية والتواضع، وهي صفات لمسها كل من عرفه أو تعامل معه.
فليس كل من رحل يُنسى، وليس كل من غاب يُغيب؛ فبعضهم يترك خلفه أثرًا لا يُمحى، وصوتًا لا يسكت، وذكرى لا تُدفن.
لقد اتسم الشهيد الراحل بكثيرٍ من الخصال الحميدة التي ميزته في حياته العلمية والعملية، ولم تتوقف عجلة طلبه للعلم حتى لقيَ ربه، فغاب الجسد وبقيت القيم التي عاش لأجلها.
كان الفقيد يسعى لإصلاح ذات البين وحلّ الخلافات بين الناس منذ أن تقلّد مقاليد الوزارة، ولم يكن يتوانى عن فعل الخير في كل مجال، سواء في نطاق عمله أو خارجه.
ومن المواقف التي نذكرها له – وهي غيض من فيض – أنه سعى برفقة وزير الصحة للتخفيف عن المرضى الذين يعانون من الأمراض المزمنة، وكان له الفضل الكبير بعد الله سبحانه وتعالى في تخفيض تكاليف الغسيل لمرضى الفشل الكلوي في المستشفيات الخاصة في العاصمة صنعاء وغيرها من المحافظات، بمتابعة حثيثة منه، رغم أن ذلك لم يكن ضمن مهام وزارته.
كان – رحمه الله – لا يتردد في مدّ يد العون لكل من لجأ إليه، أينما كان، وفي أي مجالٍ من مجالات الحياة.
كان منارةً تُضيء دروب من عرفوه، بأخلاقه العالية وأمانته وصدقه ورجاحة عقله.
في حضوره كانت الهيبة، وفي حديثه كانت الحكمة، وفي قراراته كان الوطن حاضرًا.
لم يكن وزيرًا فحسب، بل كان قلبًا نابضًا بالصدق، وعقلاً مشبعًا بالعدل، وروحًا مخلصة لا تعرف إلا الإيثار.
فرض احترامه على الجميع بأخلاقه الرفيعة وبشاشته الدائمة، فكان نموذجًا يُحتذى به في العمل والإدارة والإنسانية.
لقد فقدنا برحيله رجلًا عظيمًا، وخسر الوطن برحيله شخصية يصعب أن تتكرر.
رحيله لم يُطفئ نوره، بل جعله مشكاةً في ذاكرة الوطن لا تنطفئ ولا تُنسى.
فمهما كتبنا من كلماتٍ تعبّر عن ألم الفقد، لن توفيه حقه، لأن ما في القلب أكبر من أن تحتويه الحروف.
رحل الجسد وبقي الأثر...
لم يكن رحيلك نهاية، بل بدايةً لوعيٍ جديد، لضميرٍ حي، ولحكايةٍ تُروى للأجيال.
نم قرير العين يا من زرعت فينا الإيمان بأن الإنسانية تستحق، وأن الكلمة الصادقة لا تموت، وأن من يعيش للناس لا يُنسى.
رحلت جسدًا، لكنك أبقيت فينا صوتًا لا يخفت، وذكرى لا تُمحى، ووصية لا تُهمل، ومسيرة تُحتذى.
لم تكن مجرد شخص، بل كنت فكرةً وموقفًا ومبدأً لا يُساوَم عليه.
سلامًا لرأسك المشيب،
سلامًا لعينيك،
سلامًا لقلبك،
سلامًا لوجهك البشوش الذي غاب عنّا إلى الأبد،
سلامًا لك حتى نلقاك بضحكتك الدافئة التي لم تفارقك يومًا.
اللهم اغفر له وارحمه رحمةً واسعة، واعفُ عنه وعافِه، وأكرم نزله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقّه من الذنوب كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم أنزله منازل الشهداء، واجعل عيشه في قبره عيش السعداء، واجعله في الجنة مع الأنبياء والصديقين والشهداء.
اللهم اجعل عمله الصالح رفيقًا له، وكتابه في عليّين، ومقامه عندك من المقربين، واجزه عن كل خيرٍ قدمه، وعن كل كلمةٍ طيبةٍ نطق بها، واجعل له في قبره نورًا، وفي جنتك مقامًا، وفي رحمتك مأوى لا يغادره.