بقلم د. صالح شرخه العواضي

عميد كلية الشريعة والقانون البيضاء - جامعة البيضاء

عرفت الشهيد الدكتور محمد المولّد منذ عام 2006، حين كان أستاذا في كلية التربية-البيضاء، وقد لفت انتباهي منذ اللقاء الأول بأسلوبه المتميز في التدريس وجذب الطلاب باسلوب علمي نير ومستفيض. كان شهيدنا الكبير يحاضر بعقل نيّر وروح مفعمة بالحياة، فيجمع بين عمق المعلومة وبساطة الطرح، فيجعل من قاعة المحاضرات فضاء لتبادل الافكار والاراء باسلوب راقٍ وابتسامة عريضة لا تفارق محياه. كنت أحرص على حضور محاضراته رغم أنها مخصّصة لقسم غير الذي أدرس فيه، إذ كان أسلوبه يلفت الانتباة ويزرع في النفس شغف المعرفة وحب الاطلاع والقراءة .. كان الدكتور المولّد جميل الخلق، واسع الاطلاع، محباً للقراءة والبحث العلمي حريصاً على اقتناء الكتب اللغويه والفقهية والتراثية. ومع أنه تولى منصب وزير الشباب والرياضة وقبل ذلك كان أميناً عاماً لجامعة البيضاء، وتولى مهاماً إشرافية عديدة، إلا أن هذه المسؤوليات لم تشغله عن رسالته الأكاديمية، فظل وفيّا لكليات البيضاء والتحق ضمن هيئة التدريس في كلية الشريعة والقانون، يفيض علماً وخلقاً ويجود بعصارة تجاربة الفقهية واللغوية على طلابه، ويغرس فيهم حب الوطن والصدق في العمل. لقد كانت مدينة البيضاء تحتل مكانة خاصة في قلبه، فقد نشأ بين جبالها وسهولها، وتشرب من صفائها حب العلم وروحانية المكان. ظل مرتبطاً بها حتى آخر أيامه، مؤمناً ومجاهداً صادقاً بأن خدمة الوطن تبدأ من بناء الإنسان. وعندما نال درجة الدكتوراة قبيل استشهادة بفترة قليلة رفض عرضاً بانتقالة لجامعة صنعاء وآثر أن يبقى ضمن طاقم كلية البيضاء تلك الكلية التي عاش مخلصاً ومحباً لها منذ بداية مشواره الأكاديمي ..لن ننسى تلك اللقاءات الجملية التي كان يُحييها شهيدُنا الكبير، حيث كان يثير فيها قضايا فكرية وعلمية وفقهية ولغوية، في مجالس عامرة بالنقاش والحوار، برفقة نخبةٍ من زملائه في العمل الأكاديمي، فيتجلى في حديثه عمق الفكر ودفء الروح وصدق الإيمان بالعلم والرسالة. وفي يومٍ من أيام العزّ والفداء، رحل الدكتور محمد المولّد شهيداً مع رفاقه الأبطال على طريق القدس، مكللين بالشرف، ماضين على درب من نذروا حياتهم لقضية الأمة المركزية وكرامتها. وستظل سيرته العطرة نبراسا نهتدي به، ونستلهم منها دروس التضحية والفداء في نصرة الشعب الفلسطيني المظلوم ورفض سياسة التوسع للاحتلال الغاصب، فهي سيرة رجلٍ عاش ثابتًا على المبدأ، مخلصاً في القول والعمل، مؤمناً بأن الحق لا يموت ما دام في الأمة من يدافع عنه. أسأل الله أن يتغمد شهيدنا وأستاذنا الدكتور محمد المولّد ورفاقه الأبرار بواسع رحمته، وأن يسكنهم فسيح جناته، وأن يجعل علمه وجهوده نورًا يجري في طلابه وفي كل من عرفه، فحقّ لمن عاش نقيّا أن يُخلد طيبَ ذكره بعد رحيله.