بقلم الطالبة: فطوم صالح محمد الصارطي

مستوى رابع – قسم اللغة الإنجليزية

حين يرحل العظماء والآباء والشهداء، لا ينطفئ النور، بل تولد من رحيلهم شمس جديدة تبعث في أوصال الوطن حياةً متجددة، وتغرس في النفوس عزيمةً لا تنكسر. إنهم يرحلون بأجسادهم، لكن أرواحهم تبقى تسري في عروق الأرض التي أحبوها، لتُعيد لنا معنى الإباء، وتجعل من دمائهم جسورًا تَعبُر عليها الأجيال نحو النهوض والكرامة.

هكذا يُخلّد الله أولياءه في صفحات الوطن، وهكذا تُطبع على جبين اليمن علاماتُ القوة والخلود كلما ودّعت شهيدًا من أبنائها.

وهكذا كان الشهيد الدكتور محمد علي المولد؛ لم يكن مجرد أستاذٍ جامعي، بل كان مدرسةً متكاملة من العلم والأخلاق، من الفكر والتربية، من الحلم والحزم، ومن الإيمان والوعي. كان رجلًا آمن أن العلم رسالة سماوية، لا تنحصر بين جدران القاعات، بل تمتد لتصنع وطنًا واعيًا وشعبًا حيًّا.

كان يرى أن القلم جهاد، وأن الكلمة سلاح، وأن طالب العلم مقاتل في ميدان الوعي والمعرفة، لا يقلّ شأنًا عن من يحمل البندقية دفاعًا عن الأرض والعقيدة.

لقد عاش الدكتور المولد مربيًا ومصلحًا، مؤمنًا بأن نهضة الأمم تبدأ من مقاعد الدرس، وأن غرس القيم في العقول لا يقل أهمية عن تحرير الأرض. كان أبًا ومعلّمًا ورفيقًا لطلابه، يُنصت لهم، ويحفّزهم، ويزرع فيهم حب الوطن، ويدفعهم ليكونوا شركاء في البناء لا متفرجين عليه.

ورحل الجسد الطاهر بضربةٍ غادرةٍ من العدو الصهيوني، لكن الفكرة التي حملها لم تمت، ولن تموت. ففكره ما زال يثمر في قلوب طلابه، وكلماته ما زالت تتردّد في أروقة الجامعة، وصورته ما زالت تحفّز كل من عرفه أن يكون مشعلًا في طريق الوطن.

رحل الجسد، وبقيت الرسالة، وبقيت البصمة التي لا تمحوها السنوات، لأنها محفورة في ذاكرة الوطن وفي وجدان كل من نهل من علمه.

أيها الشهيد المعلّم العظيم،

لقد علمتنا أن القلم مقاومة، وأن الصبر بطولة، وأن العلم رسالة لا تعرف الانطفاء. علمتنا أن من يزرع النور في العقول لن يغيب نوره وإن غاب جسده. مضيت إلى ربك شامخًا ثابتًا، محتسبًا جهادك وصبرك، وخلّفت لنا إرثًا من النور والعزة، نستلهم منه الثبات والعطاء.

فيا شهيد العلم والإيمان، سلامٌ على روحك الطاهرة في عليين،

سلامٌ على سيرتك التي صارت أنشودةً في جامعة البيضاء، يرددها طلابك وزملاؤك بكل فخر، وسلامٌ على رسالتك التي ستظل منارًا للأجيال، ومشعلًا للهداية والعزة لكل من سار على دربك.

ستبقى حيًّا بيننا ما بقيت الكلمة وما دام فينا وفاءٌ للعلم وللشهداء، وما دام في هذه الأرض من يحمل القلم بإخلاص ويؤمن أن الحرية تبدأ من الفكر، وتنتهي بالشهادة.