بقلم: أ. سمير صالح مثنى القفيلي
يا لها من فاجعة ُتَدمى لها القلوب، ويا لها من خسارة لا يجبرها إلا الصبر والاحتساب عند علام الغيوب. رحل عنّا رجلٌ لم يكن رحيله كسائر الرحيل، ولم يكن غيابه كغياب الرجال؛ رحل المعلّم والمربي الصادق البشوش، الوفيّ الذي عاش للعلم والخلق، ومات على الثبات والصدق.
لم يكن مجرد معلّم، بل كان أبًا روحانيًا، يفتح صدره قبل بابه، يمنح من سعة خلقه ما يبدّد ضيق النفوس. علّمني البلاغة فأضاء لي أسرار البيان، وراجع لي النحو فسوّى اعوجاج اللسان، وما كنت أخرج من مجلسه إلا وقد ازددت يقينًا أن العلم مع الخلق هو ميراث الأنبياء.
أربع سنوات جاورته في بيته، وكان بيته لي كالوطن، أطرق بابه فأجد الطمأنينة، وأجلس بين يديه فأشعر أني في حصنٍ من الأمان. كان صدوقًا، ثقة، صافي النفس، بشوش الوجه، لا يعرف التشدد طريقًا إلى قلبه، ولا الغلظة مسلكًا إلى لسانه.
وفي يومٍ عزّ فيه السند، حين غابت أم أيمن عن حياتي، حضر هو مواسيًا، مضمّدًا لجراح الروح، بكلماتٍ منسوجة بلطفه وأسلوبٍ يأسر القلوب ببلاغته، كأن لسانه مرآة لصفاء قلبه. لقد فقدتُ فيه رجلًا من طراز نادر، لغويًّا بارعًا، ومربّيًا عظيمًا، وأبًا عطوفًا، وأشهد أن ذكراه ستبقى في قلبي ما بقي لي نفسٌ يتردد.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأخلفنا من بعده خيرًا، وكتب له أجر ما علّم وربّى، وما بثّ من علم وعمل باقٍ إلى يوم القيامة. فلله ما أعطى، وله ما أخذ. إن القلب ليحزن، وإن العين لتدمع، وإنا على فراقك لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا جل وعلا.
وعزاؤنا فيه أن يخلف الله تعالى علينا خيرًا، ويغفر له حتى يُبعث آمناً في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.