بقلم: الشيخ عبدالله الجمالي

وكيل محافظة البيضاء

في وداع الفارس: رسالة من القلب إلى أبناء ومحبي الدكتور محمد علي المولد

لقد رحل عن دنيانا فارس الإنسانية، ورحلت روح الزهد والعطاء، الدكتور محمد علي المولد، وزير الشباب والرياضة، الذي كان اسمه كالغيمة، حيث يحل الخير والبركة أينما حلّ. رجل لم يعرف المصلحة الشخصية، ولم يكن هدفه سوى خدمة الناس والتقرب إلى الله من خلال ذلك. كان في كل منصب تقلده خير من يملأ المكان حضورًا ووفاءً وإخلاصًا، ورحيله ترك فراغًا يصعب سدّه، فقد فقدت المحافظة والوطن رجلًا استثنائيًا لم تكن الدنيا لتكفيه، ولم يكن عمله يوفيه حقه.

لقد كان الدكتور المولد نموذجًا فريدًا في الأخلاق والإنسانية، رجلًا مؤمنًا قبل أن يكون مسؤولًا، متواضعًا رغم علوّ مكانته، عميق الإيمان رغم صعوبة الظروف، ورغم حجم المسؤوليات التي حملها، كانت همومه دائمًا مع الناس، يسعى لرفع شأنهم وتقديم كل ما هو خير لهم، متقربًا بذلك إلى الله سبحانه وتعالى.

رحيله لم يكن مجرد فقدان وزير أو شخصية عامة، بل رحيل أخ وصديق ومعلم، رجل جمع بين الحكمة والرحمة، بين القوة واللين، بين العلم والعمل.

رحل وقد ترك أثرًا باقياً في كل قلب عرفه، وباتت سيرته العطرة مصدر إلهام لكل من يسعى للخير في هذه الدنيا.

ذكريات ولقاءات مع الشهيد الدكتور محمد علي المولد

التقيت به مرة في عام 2008م في مدينة البيضاء لقاءً أخويًا وسريًا، وتناقشنا في الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه، وما يقوم به في صعدة.

وفي آخر النقاش أظهرت له رغبتي في التعرف على الشهيد القائد ومشروعه، فقال لي:

“هل منك جدّ؟”

فقلت له: “نعم والله.”

فقال لي:

“اهدأ واحذر أن تُبين لأحد هذا في الوقت الحاضر، وسوف نلتقي وأطلعك على بعض من ملازم الشهيد القائد حسين بدر الدين الحوثي رضوان الله عليه.”

واتفقنا أن نلتقي كل ليلة بعد صلاة العشاء في بيت الشهيد علي حميد، وهو شخص عزيز وغالٍ عليَّ وأثق به كنفسي، واستمرينا على هذه الحال فترة طويلة.

وفي أواخر عام 2012م أبلغني الشهيد الدكتور المولد أن معي دعوة لحضور لقاء موسع في صعدة، فقلت له: “وصاحبي؟”

فقال: “الدعوة لك أنت، ولكن من تثق فيه عادي شِله معك.”

وفي تاريخ 5 / 12 / 2012م قال لي إن الموعد أن أكون في صعدة يوم 9 / 12 / 2012م، وسيكون في استقبالي أبو علي الحبسي مندوب البيضاء.

وقبل الموعد تحركت أنا ومن معي وعددهم ثمانية أشخاص، منهم الشهيد علي حميد السوري والشيخ صالح عيدروس السيد من البيضاء، إلى صنعاء ثم إلى صعدة.

واستقبلنا أبو علي الحبسي حوالي الساعة الثانية عشرة ليلًا، وأخذنا إلى منزله في مدينة صعدة قريبًا من جامع الهادي، وأكرمنا بالعشاء ورقدنا إلى وقت أذان الفجر، ثم صلينا معه في جامع الهادي، وبقينا نقرأ القرآن حتى الشروق، وبعدها عدنا إلى منزل الحبسي وتناولنا الفطور، ثم تحركنا إلى المركز الصحي وبدأت أعمال اللقاء الموسع لقبائل اليمن.

كنا أهل البيضاء أقل محافظة حضورًا، وهناك التقيت ببعض الأشخاص من البيضاء، منهم الشيخ أحمد أبو بكر الرصاص واثنان معه، والعلاّمة محمد أحمد السقاف وإخوانه.

وقبل الظهر أخذونا إلى منزل الشهيد أحمد عيضة الحمزي رحمه الله، نحن وأهل ذمار وتعز وإب ومأرب، حوالي 500 شخص، فصلينا الظهر والعصر وتغدينا وخزّنا قليلًا ثم رجعنا إلى المركز الصحي، وقبل المغرب عدنا إلى بيت الشهيد الحمزي فصلينا المغرب والعشاء وتعشينا.

واستمر اللقاء الموسع لمدة ثلاثة أيام، والطعام والمبيت في بيت الشهيد أحمد عيضة الحمزي الذي كانت ضيافته كل يوم أفضل من اليوم السابق — كرم لم أشهد له مثيلًا، تقبّل الله منه.

وفي اليوم الثالث، بعد استكمال أعمال اللقاء الموسع وبعد صلاة العشاء، استأذنا ومشينا باتجاه صنعاء.

وعندما وصلنا آخر نقطة للمجاهدين، أوقفونا وقالوا: “توجيهات من مكتب السيد أن جهال الشيخ عبد الله الأحمر متقطعين، وقد أقسموا ألّا يمر أحد ممن ذهبوا عند السيد.”

انتظرنا في النقطة حوالي ساعة، ثم أتى الشيخ ماجد الحيدري وقال:

“أين أهل البيضاء؟”

قلنا: “موجودون.”

قال: “أنا مكلف من مكتب السيد أن أوصلكم إلى صنعاء.”

وتفاهم مع المجاهدين في النقطة، ثم مشينا بعده ولم يعترضنا أحد حتى وصلنا أمام التلفزيون بالعاصمة صنعاء، فأدخلنا الفندق وبِتنا هناك، وفي اليوم الثاني تحركنا إلى البيضاء.

وعند وصولنا تواصلت بالشهيد الدكتور محمد علي المولد والتقيت به، وشرحت له كل شيء منذ خروجنا حتى عودتنا، فقال لي:

“الآن يا شيخ عبد الله ضروري تكون حذر، أعداء الله لن يتركوك بحالك.”

واستمرت لقاءاتنا وقراءتنا لصفحات من الملازم حتى عام 2014م، حيث تعرضتُ ومعي الشهيد علي حميد لمحاولة اغتيال من قبل عناصر تكفيرية في وسط مدينة البيضاء، أدّت إلى استشهاد علي حميد وإصابتي بجروح خطيرة.

تم إسعافي إلى مستشفى القيسي، وكان الشهيد الدكتور محمد علي المولد أول من زارنا هناك، ثم تابع زيارتي في مستشفى 48 بالعاصمة صنعاء، حيث جرى علاجي وإخراج بعض الرصاص من ظهري بتوجيهات من مكتب السيد القائد عبد الملك بدر الدين الحوثي يحفظه الله.

وفيما بعد، عندما أجريت لي عملية قسطرة للقلب في المستشفى الأوروبي بصنعاء، زارني الشهيد الدكتور محمد علي المولد قبل استشهاده بحوالي أسبوعين، وكانت تلك آخر لقاءاتي به.

رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه عني وعن الأمة خير الجزاء.

وهذه نبذة مختصرة عن دوره معنا ومواقفه النبيلة التي لا تُنسى.

رسالة الختام

عزاءنا في هذا المصاب الجلل أن الله اختصه بالشهادة، فقد نال أعظم الأوسمة عند الله، الشهادة على يد أعداء الأمة، وهذا شرف لا يُقارن بأي منصب أو لقب، فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169].

وفي هذا المقام، أوجه رسالة صادقة إلى أبنائه وإلى كل من أحب الدكتور المولد: تمثلوا أخلاقه العالية، واحتذوا بأدبه الجم، واسعوا لرفع شأن الوطن كما كان يفعل هو، فكل من عاشر هذا الرجل الشريف يعرف أنه كان مثالًا حيًا للتقوى والإخلاص، وكان في كل تصرفاته درسًا للوفاء والكرم والإيثار.

ليكن لكل من عرفه نموذجًا حيًا يُحتذى به، وعبرة لكل من يريد أن يترك أثرًا طيبًا في هذه الحياة.

لقد عاش الدكتور المولد حياته خدمةً للوطن والمجتمع، وكان همّه الأول رضا الله، وترك إرثًا من الحب والاحترام بين الناس، وعطاءً لا يعرف الحدود.

رحمك الله يا دكتورنا، ورفع مقامك عنده، وألهمنا الاقتداء بك في حياتنا، والعمل لما يرضي الله، ولتظل ذكراك نبراسًا لكل من عرفك، وعلمًا يهتدي به كل من يسعى لخدمة وطنه وأمته.

رحيلك يا دكتور المولد لم يترك فراغًا في المكان فحسب، بل ترك فراغًا في القلوب، وذكراك ستبقى حيّة في كل عمل خيري، وفي كل جهد يرفع شأن الوطن، وستظل سيرتك العطرة درسًا للأجيال القادمة، وهديًا لمن يريد أن يسير في طريق الخير والعطاء.