بقلم أ. علي منصور الاقهومي
في رحاب حكومة الشهداء «رضوان الله على أرواحهم الطاهرة»
الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه. الحمد لله {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } (الملك:2). الحمد لله القائل: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ} (آل عمران:169). والحمد لله القائل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } (البقرة:154). والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى وآله مصابيح الدجى وأنوار الهدى، الباذلين أرواحهم في سبيل ربهم بكل فخر واعتزاز ورضى، ورضي الله عن أصحابه الأخيار النجباء والتابعين لهم إيماناً واقتداء.
إليكم أيها الراحلون الخالدون، إليكم أيها الفائزون السابقون، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن... ولن نقول إلا ما يرضي ربنا ويغيظ عدونا. وإن فقدناكم وخسر الوطن جهدكم وبذلكم وعظيم عطائكم، لكن دماءكم لن تذهب هدراً، بل ستكون وقود المسير ومصباح الطريق وأضواء آفاق النصر القريب الموعود.
يا ساكنين بالقلب أينما رحلتم، وراحلين بقلبي أينما سرتم، غبتم فأظلمت الدنيا لغيبتكم، وضاق من بعدكم رحبٌ وأقطارُ، والذكريات معي في كل زاويةٍ، ومن أين اهرب والذكرى لها ثار، اهتز شوقاً وأنتم في مرابعنا. فكيف حالكم أيها الأخيار؟
يقف اليراع حائراً عندما يحاول التطفل في رثاء العظماء، ويتوارى خجلاً للحديث عن حياة النبلاء. ماذا يقول القائل؟ وبماذا يُعبّر الكاتب؟ أي قواميس عالم اللغة تكفي؟ وأي قواعد الفصاحة والبلاغة تفي؟
حكومة التغيير والبناء في يمن التضحية والصمود، الأولى في تأريخ البشرية، تسجل الرقم القياسي في البذل الواسع بلا حدود، وسخاء العطاء الصادق، فكانت بحق وجدارة ومكانة لا مجال لمنافستها. أحرزت السبق العظيم، وحصدت الجائزة الكبرى، وتفردت بالوسام الخالد، ونالت تاج الخلود بالشهادة في سبيل الله على طريق القدس وبيّد ألعن وأخبث وأشر البشر على وجه المعمورة، وهم اليهود الغاصبون، والصهاينة المحتلون والكيان اللقيط، أعداء الله ورسوله والمؤمنين والإنسانية أجمع.
نعم، إنها غارات الغدر والخيانة والعدو اللدود، الذي أرسل أسراب طائرات الكفر والشر لأطهر وأشرف وأنبل عاصمة عربية صنعاء، رمز الفداء، ونصرة غزة، والمدافعة عن ما تبقى من كرامة أمة أسلمت رقابها لقاتلها. فاغتالت تلك الأسراب الحاقدة حكومة الشهداء العظماء بشمسها المضيئة (رئيس الوزراء) في زمن الظلام المطبق على سماء أوطان أعراب نسيت واجباتها واستلذت العيش المدنس والبقاء المهين، وبجواره أحد عشر كوكبا من وزراء الصدق والوفاء.
فلا غرابة أيها التأريخ، ولا سخرية أيها الشامتون، ولا كرامة أيها المتواطئون، بل الفخر والاعتزاز، والعزم الذي لا يخور، والإقدام الذي لا يعرف التراجع. إنها اليمن الميمون، إنها صنعاء الصمود، إنها بلد الأنصار على مر العصور. لك الله يا يمن الأنصار، لك الله يا يمن التضحية والفداء، لك الله يا يمن البذل والعطاء، لك الله يا من تجود بأرواح قادتك ورؤساء ووزراء حكومتك بكل جود وسخاء.
أي بلد أنت يا يمن؟ أي تأريخ تسجله يا يمن؟ أي دروس تخلدها للأجيال في الإيثار ونصرة المظلوم؟ وأي ملاحم بطولية تصدرها في الشجاعة والبسالة وتحدي ومنازلة ومقارعة طواغيت الظلم والاستكبار؟
وقفت أيها الشعب اليماني العظيم شامخاً مهابا حين توارى الجميع، وتكلمت أيها الشعب اليماني العظيم حين صمت الجميع. حملت راية الجهاد والاستشهاد، ورفعت راية الإسلام، وجسدت سنة سيد الأنام، وترجمت آي القرآن الكريم قولاً وفعلاً، حين جعله الآخرون وراءهم ظهرياً، وتنكر له المنتمون إليه بهتاناً وزوراً. فكنت يا يمن الأنصار فريد عصرك، وشامة دهرك، وفخر زمانك، ويتيمة عقدك.
منذ انفجار بركان بطولة طوفان الأقصى 7 أكتوبر 2023م، تفرد القائد اليماني السيد المجاهد عبدالملك بن بدر الدين «يحفظه الله» ورفع بأعلى صوته صرخته المجلجلة، ونجدته الحيدرية، ونفحة شهامته اليمانية بنصرة أبطال فلسطين، أسود غزة هاشم، المدافعين عن حياض الأمة وكرامتها وعزتها، قائلاً بلا خوف ولا تواري: (لستم وحدكم، الله معكم، ونحن إلى جانبكم) بمعركتنا المصيرية في (الفتح الموعود والجهاد المقدس).
فتكالبت عليك يا يمن الإيمان شذاذ الآفاق، وتناوشتك كلاب العالم من يهود ونصارى وقطعان النفاق، فلم يردعوك ولم يثنوك ولم يوقفوا مساندتك ونصرتك لغزة، الجهاد، والصبر، والمظلومية، والأسى، والجوع، والخذلان العربي.
فدفعت ثمن الموقف الإيماني والإنساني والأخلاقي الصادق الغالي والنفيس، ليس من متاع الدنيا الزائل فحسب، بل الأرواح والدماء، بل الرأس وما حواه من رئيس حكومة ووزراء. فكانت حكومة التغيير والبناء التي أبت العيش والبقاء في زمن الذلة والهوان، وحياة البؤس والخنوع والخيبة والشقاء.
فتربعت عرش المجد، وعشقت الشهادة، وصعدت أرواح كوكبة من فرسانها محلقة إلى عنان السماء، أبت العيش والحياة إلا عند الحبيب المصطفى في ربيع مولده المحمدي وجوار الأنبياء والصالحين والشهداء، وحسُن أولئك رفيقا.
فكان الفخار تلو الفخار، وكان الوسام الإلهي {وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَۗ} (آل عمران:140). وكأن الشاعر العربي منذ القدم سجل تلك الأبيات الخالدة لمقام هؤلاء الشهداء، واختص ذلك بموقف الشعب اليماني ورجاله الصادقين حين قال بلسان حالهم وصدق واقعهم:
وإنا لقومٌ لا نرى القتل سُبةً إذا ما رأته عامر وسلول يقرب حب الموت آجالنا لنا وتكرههه آجالهم فتطول وما مات منا سيد حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيل تسيل على حد الظبات نفوسنا ولست على غير الظبات تسيل إذا سيد منا خلا قام سيد قؤول لما قال الكرام فعول وأيامنا مشهورة في عدونا لها غُرر معلومة وحجول. فسلام الله على أرواحكم أيها الشهداء العظماء الخالدون، سلام الله على دمائكم الطاهرة، وسلام الله على مواقفكم الشجاعة الصادقة، وسلام الله على أشلائكم المتناثرة على درب الإيمان والإسلام والجهاد والبذل والعطاء.
سلام على أسركم الصابرة المحتسبة، سلام على أولادكم وأحفادكم الذين ظهروا في يوم تشييعكم برؤوس مرفوعة، وهمم عالية، وثبات لا يلين، وعزم لا يهون، وإقدام لا يخور، سلام الله عليهم وهم يعلنون مواصلة المشوار والمضيء على دربكم، بكل صدق وإيمان وإخلاص ووفاء.
ونجدد لكم العهد أن أحرار الوطن ماضون لإكمال مشواركم، والأخذ بثأركم، والمضي قدماً حتى تحرير الأقصى الشريف، وطرد المحتل الغاصب اللقيط، وتطهير الأرض من دنسهم ورجسهم وفسادهم، متوكلون على الله، واثقون بنصره وتأييده وتحقيق وعده الذي لا يُخلف، لقوله تعالى: {فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } (الروم:47)، ولقوله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } (الآية:39)، {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج:40). صدق الله العظيم.
الرحمة والخلود لشهدائنا الأحرار الأبرار الكرام، والشفاء والصحة والعافية للجرحى، والمقت والبوار والخزي والهوان لأعداء الوطن الأشرار، ولا نامت أعين الجبناء.