بقلم إسماعيل الحميدي

عضو هيئة التدريس في جامعة البيضاء

)صديقي العزيز)

صديقي العزيز الدكتور: محمد علي المولد، سلامي إلى روحك الزكية، سلامي إلى رحابك الطاهرة.

صديقي العزيز، لم أضع في حسباني أنك ستودعنا، أو أني سأنعي نفسي، أو أرثيك!

صديقي العزيز، اعذرني فلست شاعرًا لأرثيك بالقصائد الطوال، ولست أديبًا لأكتب عنك المقالات، والروايات، بل أنا ذلك المكلوم!

في هذا المقام الذي أحاول فيه أن أكتب للقارئ نبذة عن صديقي الشهيد الدكتور محمد المولد؛ تتعثر الكلمات، وتتلعثم الحروف، وينتابني الشعور بالعيّ، فما زلت مصدومًا لم أستوعب حادثة رحيلك، لكني سأحاول أن أكتب ما استطعت كتابته!

عرفت الدكتور محمد المولد في عام 2008م، حين جمعتنا الأقدار على صعيد واحد في دراسة برنامج الماجستير بكلية الآداب، جامعة ذمار، ومن حينها استمرت صداقتنا، ولم تنقطع لقاءاتنا حتى رحيله إلى جوار ربه.

إن الدكتور محمد المولد - حسب روايته لنا - تلقَّى العلوم الشرعية عن شيوخ العلم منذ صغره، فكان يتلقَّى تعليمه المدرسي في الصباح، وبعد الظهر يحضر حلقات العلم الشرعي عند شيوخ العلم، وكان مجتهدًا نبيهًا، فقد أكمل تعليمه المدرسي الأساسي، والتحق بمعهد المعلمين فحصل على وظيفة معلم قبل أن يبلغ العشرين من عمره، وفي هذه المدة حصل _ أيضًا _ على العلوم الشرعية، وحصل على إجازة الفتوى من شيخه القاضي عبدالرحمن أبو طالب.

بدأ عمله معلمًا في المدرسة يربي الأجيال منذ عام 1992م، وفي عام 1999م حين افتُتِحتْ كلية التربية بمدينة البيضاء، استُدعِي للتدريس فيها بصفة متعاقد، فدرَّس بعض المقررات إلى جانب عمله في المدرسة، وقد كان عمله بكلية التربية، واحتكاكه بأعضاء هيئة التدريس:أساتذة، ومعيدين؛ باعثًا ودافعًا له لمواصلة التعليم العالي ونيل الشهادات العليا، فالتحق بالجامعة الوطنية، وحصل منها على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية، ثم التحق ببرنامج الماجستير في قسم اللغة العربية كلية الآداب، جامعة ذمار، وحصل على درجة الماجستير عام 2014م، ثم حصل على درجة الدكتوراه عام 2025م من كلية الآداب، جامعة صنعاء، وكان ذلك قبل وفاته ببضعة أشهر.

لقد كان الدكتور محمد علي المولد: عالمًا، ورعًا، زاهدًا، بسيطًا، سهلًا، منصفًا في أحكامه، وفيًا في عمله، صادقًا في أقواله، حصيفًا في آرائه.

كان يتصف بأخلاق عالية، وأدب جم، فلم نسمع منه جارحة، ولا شتيمة لأحد، متسربلًا بالرزانة والهدوء، فلا يحب الجدال على غزارة علمه، ولا يسعى إلى فرض رأيه على أحد.

وكم أثرنا نقاشًا مع الزملاء، أو الجلساء – بحضوره - حول موضوعٍ ما، علميًا كان أو اجتماعيًا، أو سياسيًا، أو عقائديًا؛ فلم نجده يومًا مهتمًا بمشاركتنا، أو مهتمًا بطرح رأيه! وإذا طلبنا منه مشاركتنا رأيه، كان يطرحه بهدوء غير متسرع، ولا متعصب لرأي، أو فكرة.

وشهادة للتاريخ لم نجد الدكتور محمد المولد يومًا ما _ مع أنه كان محسوبًا على طائفة عقائدية، أو فقهية _ يُنظﱢر لفكره، أو يسعى إلى فرض فكره على أحد؛ لهذا فقد كان أقرب إلى الوسطية منه إلى الطائفية.

إن أخلاقه، ولين جانبه، ونقاءه، ووسطيته، وإنصافه؛ جعلت الناس يحترمونه، ويشهدون له بذلك، بما فيهم خصومه السياسيُّون، والعقائديون.

إن رحيل الدكتور محمد المولد فاجعة لأهله، وأقاربه، وأصدقائه، وزملائه، وطلابه، وبرحيله خسر الوطن واحدًا من رجاله النبلاء.