بقلم: طارق محمد عامر أبو صريمة
رثاء الشهيد الوزير الدكتور محمد علي المولد
رحل عنّا الشهيد الدكتور محمد علي المولد، رحل العالم الفقيه والمربي الخطيب، الوزير الزاهد، والإنسان الذي جسّد القيم قولًا وفعلًا، فكان شاهدًا حيًا على صدق الإيمان ونقاء السريرة. ارتقى شهيدًا تحت القصف الصهيوني الغادر، لكنه سيظل حاضرًا في قلوبنا وذاكرتنا، قدوةً وعلامةً فارقة في زمنٍ عزّت فيه النماذج الصادقة والمخلصة.
تعرفت على الشهيد في مطلع عام 2014م، وكان اللقاء الأول كافيًا ليترك أثرًا خالدًا في نفسي. وجدته متواضعًا، رزينًا، هادئًا، نقي السريرة، تفيض محاضراته بالحكمة وتلامس القلوب بما تحمل من عمق ثقافي وإيماني، نابضًا بآلام المجتمع وآماله. لم يكن كلامه ترفًا فكريًا، بل واقعًا يعيشه ويعمل على تغييره.
عملت معه في الإشراف على نشاط المنظمات في قطاع رداع حين كان يشغل منصب المشرف الاجتماعي للمدينة، فعاينت فيه نزاهةً نادرة وزهدًا حقيقيًا. لم يكن يلتفت إلى المصلحة الشخصية، بل جسّد ما تعلّمه من روح القرآن وثقافة المسيرة، فكان نموذجًا للرجل العامل المخلص والمثابر.
ثم انتقل إلى الإشراف على هيئة العلماء، وهناك ازداد يقيني بأنه عالم رباني، موسوعي الثقافة، فقيه وسطي، منفتح على الرأي الآخر، يزن الأمور بميزان العدل والإيمان. كان أسلوبه يجمع بين الحكمة وسعة الصدر والحزم والعدل، متعاملًا مع الجميع بعدل دون تحيّز، فلا معيار عنده إلا الكفاءة والأمانة والحق.
وعندما تولّى منصب وزير الشباب والرياضة، لم أهنئه، بل دعوت الله أن يعينه، فقد كان يعلم أن المنصب أمانة ثقيلة لا مغنمًا دنيويًا. قال لي يومًا بصدق:
"والله يا حيد، أخوك، إن المسؤولية حملٌ ثقيل، أخاف أن أقصّر أو أُهمل، فأريد أن يكون وجهي أبيضَ أمام الله وأمام القيادة التي وضعت ثقتها بي."
حين زرته بعد تعيينه، وجدته كما عهدناه؛ لم يغيّره المنصب، بل ازداد تواضعًا، وتضاعفت خدمته للناس، وظل قريبًا من البسطاء، متخففًا من أعباء المظاهر وزخارف الدنيا. كان ملاذي في ضيق الحياة؛ كلما ضاقت بي الهموم، جلست بين يديه، أُفضي إليه بما يثقل صدري، فلا يلبث أن يسكب على قلبي برد الطمأنينة بكلماته الصافية. وما زالت نصيحته تتردد في أذني كنبراس لا يخبو:
"يا حيد، أخوك… الصبر، الصبر. الحياة دار ابتلاء، فعليك بالصبر."
لقد عاش الشهيد كما وعظ، وظلّ كما عاهد ربه، صادقًا مع نفسه ومع الناس حتى آخر لحظة. نال أعظم وسامٍ يتمناه المؤمنون: وسام الشهادة. وقد صدق فيه قول الإمام علي (عليه السلام):
"أشجع الناس من غلب هواه"، فقد غلب هواه، وزهّد في الدنيا، وطلب وجه الله. وكان كمن سار على هدي الإمام الحسين (عليه السلام) حين قال:
"إني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما"، فرحل وهو ثابت على الحق، لا يخشى في الله لومة لائم.
علّمنا الشهيد المولد أن الدنيا لا تساوي شيئًا إن لم تكن جسراً إلى الآخرة، وأن قيمة الإنسان بما يحمل من مبدأ وقضية، لا بما يملك من جاه أو مال. وحضوره يذكرنا بقول أمير المؤمنين (عليه السلام):
"قيمة كل امرئ ما يُحسنه"، وكانت قيمته تتجلى في علمه، وإيمانه، وخلقه، وجهاده، وتضحيته حتى آخر قطرة من دمه الطاهر.
سلامٌ على روحه الطاهرة يوم وُلد، ويوم عرفناه، ويوم ارتقى شهيدًا. سلامٌ عليه ما بقي فينا أثره، وما بقي فينا شوقٌ إلى كلماته، وعزاؤنا أن ذكراه ستظل نبراسًا يضيء الدرب، وأن سيرته ستظل حاضرة في القلوب والأجيال، وسيُكتب له الخلود مع الشهداء والصالحين حيث قال الإمام علي (عليه السلام):
"إنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الفزع الأكبر".
رحم الله الشهيد المولد، وجمعنا به في مستقر رحمته، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.