بقلم : أ.د محمد حسين النظاري

المولد… شهيد العلم والرياضة

معرفتي بصديقي الشهيد الدكتور محمد علي المولد تمتد لقرابة عقد من الزمن، التقيت به في مدينة البيضاء في رباط الإمام الهدار – رحمه الله – ونفعنا بعلومه وعلوم سائر الصالحين، آمين.

كما يصفه شيوخه من آل الهدار، فقد كان الشهيد ذا همة كبيرة في تحصيل العلم الشرعي واللغة العربية. توطدت علاقتي به في زياراته المتعددة لجامعة البيضاء كرئيس لوحدة العلماء بالمحافظة، وبدأ يقترب من كادر الجامعة، وتعلّق به كل من عرفه لما لمس فيه من أخلاق حميدة وتعامل راقٍ.

عندما تم تعيينه أمينًا عامًا لجامعة البيضاء، كان قد نسج علاقات طيبة مع غالبية الكادر الأكاديمي والإداري، مما جعله مقبولًا لدى الجميع، رغم أنه لم يكن من الكادر الوظيفي للجامعة.

لم أكن أتخيل يومًا أن الشيخ الدكتور محمد علي المولد سيكون وزيرًا للشباب والرياضة، وحتى عندما اتصلت به مباركًا له بعد صدور القرار، قال لي:

"يا د. محمد، أنت أول من خطر ببالي عند تعييني وزيرًا للشباب والرياضة، بحكم معرفته بتخصصي في هذا المجال."

في الوزارة كان يسألني كثيرًا عن التخصصات والمهام دون أي حرج، فقد كان يريد أن يترك بصمة له فيها. والحمد لله رب العالمين، وفقنا لأن نكون خير سند له في كل استشاراته.

كان رجلًا حكيمًا، رزينًا، وهادئًا، يستطيع من خلال هذا الهدوء تقييم الآخرين تقييمًا صائبًا. وبالرغم من المشاكل الكثيرة في وزارة الشباب والرياضة، استطاع التأقلم مع الكادر وكسب وده بسرعة.

شاركنا معًا في أوراق عمل وبحوث في عدة مؤتمرات، منها: مؤتمر الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، مؤتمر فلسطين قضية الأمة المركزية، ومؤتمر جامعة البيضاء. كنت أستفيد كثيرًا من تصويباته اللغوية وتركيب الجمل، بينما كان يترك لي الجانب الشبابي والرياضي.

في مؤتمر جامعة البيضاء السادس في أكتوبر، شاركنا معًا ببحث عن البيئة من الجانب الرياضي.

على الصعيد الإنساني، لم يغب عن أي مناسبة؛ فرحًا أو حزنًا، مرضاً أو وفاة، إلا وكان حاضرًا ومشاركًا بطيب قلبه، دائمًا في قمة التواضع. رافقته في سفريات عديدة، وخاصة في سيارته، حيث يتبين معدن الرجال في السفر، ووجدته أصيلًا كما هو دائمًا.

لم أنظر إليه يومًا كرجل عادي، بل كنت أراه عالِمًا أقدّره وأجلّه، وإن كنا على مذاهب مختلفة، فإن روح العالم المتسامح كانت تجعل احترامه واجبًا عليّ.

كان الشهيد دائم الدعاء لي، رغم أنه كثيرًا ما كان يُطلب منه المعونة، وكان يُجيب بالدعاء. للأسف الشديد، قلة قليلة من المسؤولين يجمعون بين المسؤولية والعلم الشرعي، مما يجعلهم أكثر عدلاً وإنصافًا.

آخر لقاء جمعنا كان في 19 صفر 1447هـ، قبل استشهاده بأقل من عشرة أيام، حين دعاني للندوة الثقافية عن فلسطين التي نظمتها وزارة الشباب والرياضة، رغم إصابتي بجلطة دماغية أثرت على بصري، فحضرت بدافع العمل الديني والوطني.

لقد كان الشهيد متعلقًا بقضية الأمة المركزية، يشارك إخوانه في غزة كل مآسيهم، حتى اصطفاه الله شهيدًا على يد أعداء الله، ليشاركهم لحظات الحياة والاستشهاد.

هنيئًا للشهيد الدكتور محمد المولد الشهادة، ليكون أول وزير للشباب والرياضة تستهدفه إسرائيل، لينالها مع رفاقه، وفي مقدمتهم رئيس مجلس الوزراء الشهيد أحمد غالب الرهوي، وهم يؤدون عملهم المدني في خدمة المواطنين.

نسأل الله تعالى له الرحمة، وأن يتقبله في الصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، ونسأل الله تعالى الصبر والسلوان لأهله ومحبيه، والشفاء لزملائه الجرحى.