بقلم : عبد الواحد الشرفي

عضو مجلس الشورى

نائب رئيس لجنة التربية والتعليم والبحث العلمي بالمجلس

الشهيد المولد: زهد وعطاء

لقد أتاحت لي تجربتي الطويلة في العمل السياسي والتعليمي، وخصوصًا في المجال الشرعي، فرصة التعرف عن قرب بالدكتور محمد علي المولد، التربوي البارز، والمدرس في جامعة البيضاء، ولاحقًا وزير الشباب والرياضة. وقد تعرفت عليه لأول مرة من خلال كتاباته البحثية في القضايا الإسلامية، والتي تميزت بالرصانة والدقة العلمية والمنهجية، بعيدًا عن التشدد أو التعصب المذهبي، حيث تنبض مقالاته وكتبه بالموضوعية والإنصاف والنزاهة والاتزان، مع احترامه الكامل لحق المختلفين معه. وهذا كله يعكس منهجه العلمي الراجح وعقليته المتفتحة، ورغبته الصادقة في خدمة دينه والوصول إلى رضوان الله تعالى.

لقد امتدت حياة الدكتور المولد حافلة بالنشاط الدؤوب والعمل المستمر، واتصاله الدائم بالعلماء والمثقفين والمفكرين والسياسيين، ما أكسبه مكانة بارزة ومؤثرة في أوساط المجتمع. ولم يكن هذا الظهور المشرّف بلا ثمن، إذ أصبح هدفًا لقوى التطرف والتشدد والتكفير، وتعرض لمحاولات اغتيال وملاحقات خلال الفترة الانتقالية السابقة، لمجرد أنه انحاز للحقيقة ودافع بلسان حكيم وقلم رصين عن الوعي والفهم الصحيح للإسلام، من منابعه الصافية، بعيدًا عن تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.

ومع توليه قيادة وزارة الشباب والرياضة في حكومة التغيير والبناء، جسّد الدكتور المولد زهده العظيم، فكان يبتغي من منصبه وتكليفه خدمة الوطن ورضوان الله تعالى فقط. وخلال فترة عمله في الوزارة، أنصف العديد من الموظفين وأعاد ترتيب أولويات الوزارة رغم حجم التحديات والاختلالات الإدارية الثقيلة، وبذل جهدًا كبيرًا لترسيخ قيم الانضباط وروح الفريق الواحد. كما نجح في خلق بيئة عمل يسودها الود والمحبة والرضاء والانتماء الحقيقي لخدمة الوطن.

لقد كانت رسالته في الحياة، وزهده في زخارفها الزائلة، وصبره على المكاره ونوائب الدهر، مبنية على ترسيخ قيم المنهج القرآني كثقافة وسلوك عملي في حياة الفرد والمجتمع، ولتحرير وعي المواطن اليمني من التبعية والانغلاق والجمود والانحراف الفكري.

إن الدكتور محمد المولد، الذي استشهد برفقة عدد من وزراء حكومة التغيير والبناء، يعد من القلائل في تاريخنا المعاصر الذين اجتمعت فيهم المعرفة العلمية والعقلانية والفكرية، مع القدرة على أداء دور كبير في المجال الإسلامي الفكري والدعوي، وكذلك في قيادة العمل الوزاري بروح حكيمة ومسؤولة. إلا أن يد الغدر والإجرام امتدت إلى حياته، كما امتدت إلى حياة كوكبة من أعلام الأمة الإسلامية والعربية، أمثال الشهيد حسن نصر الله، والشهيد إسماعيل هنية، والشهيد عماد مغنية، والشهيد يحيى السنوار، وغيرهم من الشهداء العظام على طريق القدس، الذين صنعوا النصر والعزة والكرامة للأمة.

نسأل الله العلي القدير أن يتقبل شهيدنا الدكتور العزيز محمد المولد، وأن يشمله بواسع رحمته ورضوانه، وأن يرفعه في عليين بجوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والنبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.