بقلم: رمزي مجاهد المولد

بسم الله الرحمن الرحيم

الشهيد البطل: العالم والمربي والوزير... الذي جعل من حياته وقفًا للعطاء

في حياة بعض الرجال، تتجسد القيم وتتناغم الفضائل، فتراهم يجمعون بين العلم والقيادة، وبين التربية والجهاد، وبين الفكر والعمل. هم رجالٌ لا تعرفهم المناصب، بل تعرفهم المواقف. وإذا رحلوا، بقيت سيرتهم نبراسًا يضيء الدروب، وذكرهم يملأ القلوب إيمانًا وعزيمة.

هكذا كان شهيدنا البطل، الذي وهب عمره لله، وجعل من حياته كلّها وقفًا في خدمة دينه ووطنه وأمّته.

نشأ منذ نعومة أظفاره في أحضان القرآن الكريم، يترنّم بآياته، ويتفيّأ ظلال معانيه، حتى حفظ كتاب الله عن ظهر قلب، لا تردده شفتاه فحسب، بل تجسده أفعاله وسلوكه وسمته. عاش القرآن خُلُقًا ومنهاجًا، فأنبت الله به قلبًا طاهرًا، ووهبه لسان صدقٍ في الآخرين.

ثم مضى في طريق العلم، يغوص في بحار الشريعة، ويغرف من معينها الصافي، حتى نال درجة العالمية، وتبوّأ مكانة العالم المرجع، والمربي القدوة، والأستاذ الملهم. لم يكن علمه زينةً يتفاخر بها، بل رسالةً يؤديها. حمل همّ أمته في فكره، وأمانة العلم في صدره، فكان منارةً للباحثين، وركنًا من أركان الهداية في مجتمعه.

وحين وقف أمام طلابه، لم يكن مجرد معلّمٍ للغة العربية، بل كان مربّيًا يصوغ العقول ويرتقي بالأرواح. آمن أن اللغة ليست مجرد حروفٍ وأصوات، بل هي وعاء الفكر، وهوية الأمة، وسلاح الوعي. وفي حلقات تحفيظ القرآن، كان يغرس في تلاميذه الخشية قبل الحفظ، والخلق قبل الأداء، فخرج من بين يديه جيلٌ قرآنيّ الإيمان والفكر والسلوك.

أما دراسته الأكاديمية وشهاداته العليا، فلم تكن غايةً في ذاتها، بل وسيلةً لتوسيع أفقه، وتعميق وعيه، وتعزيز أدواته في خدمة الدين والعلم والمجتمع. لقد برهن أن العالم المسلم قادرٌ على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين عمق التراث ونبض العصر، دون أن يتخلى عن ثوابته أو يتنازل عن هويته.

وعندما تقلّد حقيبة وزارة الشباب والرياضة، لم يرَ فيها منصبًا يطلب جاهًا، بل تكليفًا يحمّله مسؤولية الأجيال. دخل الوزارة بعقل العالم وقلب المربي وهمة المجاهد، واضعًا نصب عينيه أن الشباب هم عماد الأمة، ومستقبلها الواعد، ودرعها الحصين. سعى لإحياء روح الإبداع فيهم، وتنمية مهاراتهم، وصقل طاقاتهم، حتى تكون الرياضة والتربية والشباب ميادين بناءٍ للإنسان قبل أن تكون ساحاتٍ للمنافسة.

وفي نظره، كانت الرياضة أداةً لغرس القيم، وبناء الأجساد القوية والعقول المستنيرة، وإعداد جيلٍ يعتز بدينه ووطنه، ويواجه التحديات بروح الفريق والمسؤولية والانتماء. فتح الوزارة لكل المبدعين، فكانت بحق بيتًا وطنيًا رحبًا للشباب، يتنفسون فيه الأمل ويجدون فيه القدوة.

ثم جاءت ساعة القدر، ساعة اللقاء مع ربّه، فلبّى النداء راضيًا مطمئنًا. مضى إلى الله كما عاش: عالِمًا عاملًا، ومربّيًا صادقًا، ووزيرًا أمينًا، ومجاهدًا مخلصًا. سقط الجسد، لكن الروح ارتفعت عزيزة، تحلّق في سماء الخلود، شاهدةً على أن الرجال لا يموتون، بل ينتقلون إلى حياةٍ أكرم.

ذلك هو الشهيد الدكتور محمد علي المولد، قنديلُ علمٍ لا ينطفئ، ومعلّمُ أجيالٍ لا يُنسى، ورمزُ عطاءٍ خالدٍ في وجدان الأمة.

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، وجعل سيرته نبراسًا يهتدي به السائرون، وعزاءً يثبت به المؤمنون، وذكرى خالدة تُلهم الأجيال معنى الصدق والإخلاص والتضحية.