بقلم د/ عبدالله السويدي

الدكتور محمد المولد …

(ذكرى عطرة وروح خالدة)

في لحظاتٍ تختلط فيها الدموع بالكلمات، ويضيق الصدر بما يحمله من وجع وألم، نودّع اليوم رجلاً لم يكن عادياً في حياتنا، ولم يكن مجرد زميل أو صديق، بل كان روحاً نقيةً، حملت العلم والخلق معًا في آن واحد.

إنه الدكتور محمد المولد، أستاذ اللغة العربية، وصاحب الخُلق السامي الذي يندر أن يتكرر. رجلٌ جمع بين عمق العلم ورقي الأخلاق، بين الحكمة والبساطة، بين القلب الكبير والابتسامة الهادئة التي تخفف عن كل من حوله.

جمعتني به الأيام في محطات لا تُنسى؛ حين شددنا الرحال معًا لجمع اللهجات اليمنية وتوثيق اختلافاتها، وحين جلسنا في صيدليتي (صيدلية التيسير) نتحاور عن اللغة والحياة، وحين كان أمينًا في الجامعة، رمزًا للثقة والنزاهة والإخلاص. وفي كل محطة، كان محمد يترك أثراً عميقاً لا يزول، بابتسامته الصادقة، وروحه الطاهرة، وعلمه الغزير الذي يفيض على كل من حوله.

لقد كان رحمه الله عنواناً للتواضع، صادقاً في حديثه، نبيلاً في سلوكه، كبيراً في قلبه، قريباً من كل من عرفه. لم يكن منصب أو وظيفة ترفع من شأنه، بل تواضعه وسماحة قلبه كانا يقربانه إلى الناس أكثر، ويتركان بصمة في كل من تفاعل معه.

واليوم، حين ارتقى شهيدًا، ترك وراءه حزناً ثقيلاً وجرحاً في قلوبنا لا يندمل، غير أن عزائي أن روحه الطاهرة انتقلت إلى رب كريم، وأن مقامه عند الله أعظم وأكرم، وأن أثره سيظل خالدًا فينا، في علمه، وفي أخلاقه، وفي كل موقفٍ جميلٍ تركه وراءه.

سلامٌ عليك يا أبا زكريا، يوم عرفناك أخًا وعالماً، ويوم رحلت شهيدًا، ويوم تُبعث بإذن الله في زمرة الشهداء والصالحين. لقد تركت إرثًا من العلم والخلق والصدق، ذكرًا طيبًا يُنير القلوب ويُلهِم الأجيال القادمة.

رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك الفردوس الأعلى، وجعل ما تركته من علم وذكرٍ طيب صدقةً جارية تُنير قبرك إلى يوم الدين، وتبقى ذكراك منارةً لكل من يبتغي العلم والمعرفة والخير.