بقلم : العقيد محمد صالح العوكبي

قائد القوات الخاصة – البيضاء

كلمة وفاء في سيرة ومسيرة الشهيد الدكتور محمد المولد "أبو زكريا"

رحم الله الدكتور محمد المولد "أبو زكريا"، الرجل الذي جمع بين العلم والجهاد، وبين التواضع والعظمة. لم يكن مجرد وزير للشباب والرياضة، ولا مجرد شخصية عامة عابرة، بل كان مدرسة قائمة بذاتها، ومعلمًا للجيل، وملاذًا لكل من عرفه في البيضاء وخارجها.

عرفناه منذ عام 2008 في حارة دُغيلة، فكان لنا أبًا ومعلمًا وأخًا وجارًا. يقف بجانبنا في الأفراح والأحزان، يتقاسم معنا الهموم، ويشاركنا الحياة كواحد منا، حتى أصبح وجوده جزءًا من طمأنينتنا اليومية.

ومع اشتداد نار الاغتيالات وتهديدات القاعدة في البيضاء، كان أبو زكريا الدرع الحامي والسند، يواجه المخاطر بصبر وثبات، حتى صار منزله هدفًا للهجوم. ورغم كل ذلك، لم يتراجع ولم يتخلّ عن مبادئه، بل ظل صامدًا على موقفه، يزرع الأمل في قلوبنا، ويؤكد لنا أن العظمة لا تُقاس بالمناصب، بل بالمواقف.

هاجرنا إلى ذمار لمواصلة المسيرة، وكان أبو زكريا معنا روحًا ودعمًا. كلماته لا تزال ترن في أذني حين قال بعد استشهاد أخي "أبو نصر":

"هذه ثمرة عظيمة، ولبنة في سبيل الله، ولا يقدّمها إلا العظماء."

بهذه الكلمات جسّد قيمة التضحية وربطها بقدسية الهدف الذي عاش ومات من أجله.

حتى في جراحنا كان حاضرًا. حين أصبت في جبهة الضالع، جاءني إلى المستشفى العسكري، ولم يقل إلا ما يزيد العزم:

"أنتم العظماء الذين قدّمتم أنفسكم لله."

لقد كان صادقًا في كلماته، حيًّا بوفائه، حاضرًا في كل التفاصيل التي تحتاج إلى رجل صادق ومخلص.

لم يكن أبو زكريا مجرد قائد أو مسؤول، بل كان إنسانًا استثنائيًا. لم يترك مناسبة فرح إلا وكان أول المهنئين، ولم يغب عن عزاء إلا وكان أول الحاضرين. يوم زواجي، كتب عقدي بيده وختمه، دون أن يأخذ شيئًا، مكتفيًا بقوله:

"هذا أقل واجب أقدمه لكم."

هذه المواقف وغيرها جعلت منه قدوة نادرة، ورمزًا في العطاء والتواضع. واليوم، ونحن نودّعه شهيدًا، نعجز أن نصفه بالكلمات. لكنه باقٍ في قلوبنا، خالدًا بمواقفه، حيًا بعلمه، وبما تركه من أثر في حياة الآخرين.

لقد عاش الدكتور محمد المولد عظيمًا، ومضى شهيدًا، وسيرته ومسيرته ستظل شاهدًا على أن الرجال لا يُقاسون بالألقاب، بل بما قدموا وضحّوا وبما تركوا من بصمات في حياة الآخرين.

سلام الله على روحه الطاهرة، ورحمته الواسعة تظلله، وجعل الله الجنة مثواه.