بقلم: فيصل محسن عبدالله الرياشي

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾

(آل عمران: 169)

نستفتح بهذه الآية الكريمة رحمةً وتثبيتًا، وتذكيرًا بأن الشهادة عند الله منزلة عظيمة، وأن من نالها قد انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء، حيًّا عند ربه مُكرّمًا مرزوقًا. ونستعين بهذه الحقائق القرآنية لنسطر سيرة من عاش راسمًا في حياته معالم الإيمان والعمل والطاعة.

في رحاب الذكرى

الدكتور محمد المولد – أبو زكريا

وزير الشباب والرياضة، وخطيب الميدان، ومعلم الأجيال، وإنسان بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

بقلوب مفعمة بالإيمان، وعيون يغشاها الأسى والفخر، نكتب عن رجل من طراز نادر، حمل في فكره العلم، وفي قلبه الإخلاص، وفي سلوكه البساطة والصدق. إنه الدكتور محمد المولد، أبو زكريا، الذي ختم الله له بالشهادة بعد حياة حافلة بالعطاء، كانت آخر محطاتها منصب وزير الشباب والرياضة.

منذ توليه الوزارة، لم تكن المناصب في نظره غاية أو وجاهة، بل وسيلة لخدمة الناس، ونافذة لرد الجميل لوطن أحبه حتى آخر نفس فيه. كان يحمل هم محافظة البيضاء ومديرية رداع في قلبه أينما ذهب، وجعل من موقعه في الحكومة سفارة للبيضاء ورداع، ينقل صوت الناس، ويدافع عن قضاياهم، ويسعى لإنجاح مشاريعهم في مختلف الجوانب: الشبابية، والتنموية، والخدمية، والاجتماعية.

لم يكن وزيرًا يجلس خلف مكتبه؛ بل كان الأقرب إلى المواطن، والأكثر تفهّمًا لمعاناته، والأسرع استجابة لاحتياجاته. يراه الناس في الميدان أكثر مما يرونه في المكاتب، يخالطهم، يستمع إليهم، يشاركهم همومهم وأفراحهم، ويقودهم بتواضع القائد المؤمن الذي لا يطلب سوى رضى الله وخدمة الأمة.

لقد عُرف خطيبًا وناصحًا وموجّهًا، يتكلم بالكلمة الصادقة، ويعضّ بالحق، ويدعو بالحكمة والموعظة الحسنة. كان يجمع بين حسن الخلق وبساطة الروح، بين العلم والعمل، بين القول والفعل. يصاحب الصغير والكبير، يبتسم في وجه الجميع، ويزرع في القلوب الأمل، وفي العقول الوعي، وفي النفوس الثقة بالله. كان إنسانًا بكل ما تحمله الكلمة من معنى، رحيمًا، متواضعًا، مخلصًا لدينه ووطنه وشعبه.

وكانت دعوته الدائمة إلى الجهاد والاستشهاد نابعة من إيمانه العميق بالمسيرة القرآنية، ومن يقينه بأن العزة لا تُنال إلا بالصبر والثبات والتضحية. فنال ما كان يدعو إليه، ومضى إلى رحمة الله شهيدًا كما تمنى، بعد أن أدّى رسالته وأوفى بالعهد.

لقد رحل أبو زكريا، لكنه ترك بصمة لا تُمحى في الذاكرة، وسيرة تُروى للأجيال، وعطرًا من الذكر الحسن بين الناس. رحل جسدًا، لكنه باقٍ في وجدان كل من عرفه، وفي وجدان كل من آمن أن خدمة الناس أعظم عبادة، وأن الشهادة أجلّ ختام لحياة عامرة بالعطاء.

سلام على روحه الطاهرة…

سلام على من عاش للناس، ومات لله.

سلام على الوزير الإنسان، والمربي الصادق، والخطيب المجاهد.

سلام على الدكتور محمد المولد أبو زكريا.

نسأل الله أن يجعله في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وأن يحفظ أهله وذريته، ويجعل سيرته منارة تُضيء درب المخلصين من بعده.