بقلم: زكريا محمد المهدي

ما يلي ليس مجرد كلماتٍ على الورق، بل رسالة وجعٍ ووفاءٍ كُتبت بماء العين، ونُقشت بإحساس القلب وبوح الروح، من رفيق درب الشهيد الذي عاش معه الحلم، وشاركه الطريق، وودّعه على وعدٍ لا يموت. كتبه أقرب أصدقائه وأحب الناس إلى قلبه.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله القائل:

{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ۝ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ}.

والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الراشدين، ومن سار على نهجه واهتدى بهداه إلى يوم الدين.

أما بعد:

الموتُ حقّ، ولكنّ الفراقَ صعب،

والحياةُ لا بدّ وأن تنتهي،

ويودّع كلٌّ منّا الآخر وداعًا لا رجوع بعده،

ويبقى الموتُ هو الحقيقة الوحيدة في هذه الحياة،

ويبقى فراقُ الموت هو أقسى أنواع الفراق والوجع.

شهداؤنا لا يُنسَون،

تظلّ ذكراهم حيّةً في قلوب الناس،

وتخلّدهم الأجيالُ عبر التاريخ،

فهم من رسم الطريق للأجيال المقبلة،

وجعلوا من تضحياتهم نورًا يُهدي الأمل في أوقات الظلم والشدائد.

وفي وداع أخي وصديقي ورفيق دربي

الشهيد المجاهد الدكتور/ محمد علي أحمد المولد

تختلط مشاعر الفرح بالحزن،

ويعجز اللسان والقلم عن التعبير عمّا يختلج في الفؤاد.

فخبرُ استشهاده وإن كان حزينًا،

إلا أنه من جهة أخرى جعلنا سعداء.

عرفناه نبيلاً طاهرًا، وعالمًا جليلاً،

عاملاً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم،

رجلاً حمل في قلبه حبَّ النبي وآل بيته بصدقٍ وإخلاص.

فرحنا له بنيل الشهادة، وحزنا على وداعه،

لا نبكي على ذهابه عنّا،

ولكننا نبكي لبقائنا نحن من دونه.

رجلٌ ختم عمرَه بالحسنى،

واختاره الله إلى جواره،

(وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).

أقولُ وقد فاضتْ بعينيَّ عبرةٌ

أرى الأرضَ تبقى والأخلاءُ تذهبُ.

---

افتقدناه أخًا حبيبًا ورفيقًا صادقًا ورجلًا وفيًا،

افتقدناه عالمًا وفقيهًا وأديبًا وشاعرًا،

افتقدناه خطيبًا مفوّهًا ومرشدًا ومعلّمًا.

رحل عن عالمِنا،

ولكنه لم يرحل عن قلوبنا وذاكرتنا.

ستظلُّ ذكراه خالدة مستمرة،

وسيظلُّ طيفه يراودنا ما حيينا.

ولا نملكُ إلا أن نقول:

إنّ العين لتدمع، وإنّ القلب ليحزن،

وإنّا على فراقك يا أبا زكريا لمحزونون.

لا نقول وداعًا،

بل نقول: ملتقانا في الجنّة إن شاء الله.

ولا نامت أعين الجبناء.

فزتَ وربِّ الكعبة،

أخي وصديقي وصاحبي ورفيق دربي،

يا رفيق الطفولة والعمر.

وأنا هنا لا أنعيك، بل أقول:

إنه من دواعي السعادة والهناء والفخر

أن أراك قد نلت الشهادة

على يد أعداء الله سبحانه وتعالى،

على يد الصهاينة المجرمين المحتلين لمقدساتنا الإسلامية،

فهي خاتمةٌ والله عظيمة.

نعم، سأقول إنّي فقدتك وافتقدتك،

وسأظل أفتقدك وتغمرني الدموع على فراقك،

ولكن عزائي في ذلك أنك متَّ شهيدًا.

---

كم ذا تحدثني أحاديث الصبا

فأحنُّ للماضي وعطرِ مراتعي

أتذكّر الأيامَ بعدَ رحيلها

وأعيدُ ماضيها بصوتٍ خاشعِ

وأمرّ بعدَ مضيّها بمراحلٍ

طويتْ وأخرى بعدَها بتتابعِ.

---

أتذكّر ذلك الزمن الذي جمعنا فيه القرآن،

ونحن صغار بين يدي آبائنا ومشايخنا،

كنا الصغار في مجالس علم الكبار.

وكُنتَ يا محمدُ تُذهلني في كلّ حين،

فقد نلتَ إجازةً في العلوم وأنت صغير في السن،

ورأيتُ كيف منحك العلماء ثقةً لا تُعطى إلا للأفذاذ،

وشهدوا لك بالهمة العالية في طلب العلم.

لم تكن علاقتنا صداقةً فحسب،

بل كنتَ يا أخي الشهيد مرجعًا ومعينًا لي في كثيرٍ من الأمور.

تتلمذتُ وإياك في رباط الهدار للعلوم الشرعية،

وكذا نلنا سويًّا إجازتنا العلمية من السيد العلامة المجتهد

يحيى بن يحيى الدار رحمه الله تعالى

في كثيرٍ من العلوم كعلوم القرآن، والنحو، والصرف،

والبلاغة، وعلوم العربية، والفقه، والحديث، وأصول الفقه، والعقيدة، والتاريخ، وغيرها.

ورأيتُ كيف كان الناس يأتون من كل مكان،

يسألون ويستفتون، ويستمعون لعلمك الغزير،

وتواضعك الذي يملأ القلوب.

كنتَ شعلةً في النشاط، ذا همةٍ عالية،

شغوفًا بطلب العلم، حريصًا على ارتياد مجالسه،

وكنتَ تعمل في نفس الوقت لتوفّر المال لشراء الكتب،

وتحضّرها من أماكن مختلفة وبعيدة.

وكنتَ حريصًا على التدريس في حلقاتٍ بسيطة

وفي أكثر من مكانٍ ومجلس لمختلف العلوم،

بدون مقابل أو عائد.

ومع أن ظروفك المادية كانت متعبة،

إلا أن ذلك لم يثنك عن ما تصبو إليه.

---

ثم جاءت تلك الأيام العصيبة،

وكم عانيتَ فيها وأوذيت،

ولكنك صبرت واحتسبت،

ولم تحمل في قلبك حقدًا لأحد.

لقد كانت حياتك منذ عرفناك

جهادًا مستمرًا حتى آخر لحظة.

---

وفي الختام،

هذه نفثاتُ صدرٍ مكلومٍ أبثها،

ودموعُ قلبٍ محزونٍ أسكبها،

وخواطرُ نفسٍ مفجوعةٍ أودعها،

تتجلى من المصدور إلى المسطور،

لعلها تترجم شيئًا من لوعة الفقد وألم الغياب،

مما جادت به القريحة، وإن كانت لا تفي أخي الشهيد حقَّه.