بقلم: أ/ محمد عبدالمغني أحمد عبدالرزاق
مساهمة تأبينية في أربعينية الشهيد الدكتور محمد علي المولد
في زمن تتكاثر فيه الألقاب وتقلّ فيه المعاني، وُجد رجل لا يشبه إلا ذاته. رجل لم تصنعه المناصب بل صنعها، ولم ترفعه الألقاب بل رفعها. رجل إذا ذُكر، سكنت القلوب إجلالًا، وانحنت الكلمات احترامًا. ذلك هو الدكتور محمد علي المولد، العالم، الإنسان، الشهيد.
لم يكن مجرد اسم في قائمة المسؤولين، بل كان روحًا تمشي بين الناس، تحمل همّهم، وتُضيء دروبهم، وتزرع فيهم الأمل. عاش كبيرًا في تواضعه، عظيمًا في خُلقه، نقيًا في نواياه، قريبًا من كل من عرفه، لا يُغلق بابه، ولا يردّ سائلًا، ولا يُؤجل نصيحة.
عرفته منذ سنواتي الأولى، وكان حضوره في حياتي دافئًا ومليئًا بالوقار. ومع مرور الزمن، تعمّقت معرفتي به أكثر حين درست في جامعة البيضاء، حيث كان أحد من درسوني، ووجهوني، وآمنوا بإمكاناتي. وقد عملت معه في مراحل متعددة، وشهدت عن قرب كيف يجمع بين القيادة والتواضع، وبين الحزم والرحمة، وبين العلم والعمل.
شاهدته يتنقل بين المناصب، من أمين عام للجامعة، إلى رئيس هيئة الإنصاف والمظالم، ثم وزيرًا للشباب والرياضة، ولم يتغير فيه شيء. بقي كما عهدته: طيب القلب، زاهدًا في الدنيا، ورعًا في سلوكه، مثقفًا في فكره، متواضعًا في تعامله، بعيدًا عن الكبر والغرور، وأقرب إلى الناس من أي منصب تقلّده.
حتى حين ترقّى إلى منصب وزير، لم يتبدّل، ولم يتعالى، بل بقي كما عهدناه: نعم الأب لأهله، ونعم الأخ لأحبّته، ونعم الأستاذ لطلابه، ونعم القائد لزملائه. كان يقدم النصح والمساعدة في أي وقت، لأي شخص يحتاجه، دون تردد أو تأخير. لم يكن يردّ أحدًا، حتى لو جاءه الاتصال في منتصف الليل، كان حاضرًا ومستجيبًا، وكأن خدمة الناس جزء من تكوينه.
وفي لحظة غدر، ارتقى شهيدًا إثر غارة إسرائيلية استهدفته مع عدد من زملائه الوزراء، وهو يؤدي واجبه الوطني والإنساني. رحل على طريق القدس، شهيدًا للحق، شهيدًا للموقف، شهيدًا للقضية. لم يكن استشهاده إلا امتدادًا لحياته التي عاشها في خدمة الناس، قريبًا منهم، متواضعًا بينهم، لا يميّز بين أحد، ولا يبتعد عن أحد.
بالنسبة لي، لم يكن مجرد قريب أو أستاذ، بل كان أبًا وأخًا ومعلمًا وقائدًا وملهمًا. علّمني أن القيادة لا تُقاس بالمناصب، بل بالرحمة، وأن العلم لا يُنقل بالمحاضرات فقط، بل بالمواقف النبيلة.
رحمك الله يا دكتور محمد، فقد كنت لنا نورًا في زمن كثرت فيه الظلمات. ستظل ذكراك حيّة في قلوبنا، وسيرتك نبراسًا لمن يأتي بعدك. وإن كان الموت قد غيّبك عنا، فإنك باقٍ فينا، في كل كلمة قلتها، وفي كل موقف وقفته، وفي كل أثر تركته، وفي كل نفسٍ ألهمت به.