بقلم: الشيخ مهدي صالح قايد المولد

محمد المولد.. حين يقدِّم الآخرين على نفسه

في زمنٍ تشتدّ فيه المحن وتتكشف فيه معادن الرجال، يبرز الأستاذ محمد المولد – وزير الشباب والرياضة – مثالاً صادقًا للإنسان الذي قدّم مصلحة الآخرين على نفسه، واختار أن يعيش المعاناة بصمت كي لا يكون سببًا في أذى أحد.

حين تعرّض منزله بمدينة البيضاء للقصف من قِبل تنظيم القاعدة، اضطر هو وأسرته إلى النزوح إلى الريف. وهناك لجأ إلى بيتٍ قديمٍ متواضعٍ لا يتّسع له ولإخوته وأولادهم، فبدأ يبحث عن قطعة أرض يبني عليها منزلًا يأويه وأسرته.

وبحب الناس له ومكانته الطيبة في نفوسهم، سارعنا – نحن أقاربه وأبناء المديرية – إلى مساعدته، فوجدنا له قطعة أرض وساهمنا قدر استطاعتنا. وواصل هو جهده، حتى وصل بالبناء إلى مرحلة السقف، بعد أن استدان المال وأرهق نفسه في سبيل ذلك.

لكن موقفًا واحدًا كان كفيلًا بأن يوقف كل شيء.

ففي أحد الأيام، وبينما كان الأستاذ محمد يزور الفقراء والأرامل والمرضى – كما اعتاد – قالت له إحدى النساء البسيطات من باب المحبة والنية الصافية:

> "نحن نحبك ونحب أولادك، لكننا نخاف أن يُضرب بيتك بصاروخ وتُصاب القرية بأذى."

كانت كلماتٍ عابرة، لكنها وجدت طريقها إلى قلبٍ رحيمٍ يخاف على الناس أكثر مما يخاف على نفسه. لم يُجادلها، ولم يبرر، بل عاد في صمتٍ إلى المدينة، تاركًا بيته غير مكتمل، دون أن يخبر أحدًا، خشية أن يكون سببًا في ضررٍ لجيرانه.

مرت السنوات، والتقيت به بعد نحو عشر سنين، وسألته:

> "يا محمد، لماذا لم تكمل بيتك حتى الآن؟"

فأجابني بهدوءٍ يليق بصفاء روحه:

> "ربما أكون سببًا في أذى الآخرين، فتوكلت على الله حتى يحكم الله في أمري."

هكذا هو محمد المولد، رجلٌ لا يبحث عن مصلحةٍ خاصة، ولا يلهث وراء جاهٍ أو بيتٍ أو مقام، بل يعيش بروحٍ قرآنيةٍ زاهدة، همّه خدمة الناس، وبذل الخير، ومواساة المحتاجين.

إيثاره وخلقه وأمانته جعلت له مكانةً عالية في قلوب الناس، وجعلت سيرته تُروى اليوم لا باعتباره وزيرًا، بل إنسانًا اختبرته المحن فازداد تواضعًا ورحمة.