بقلم الأستاذ محمد القنع
مدير مجمع العاقل التعليمي
محمد علي العنسي.. من الجيرة إلى الزمالة، سيرة رجلٍ نبيلٍ وعالمٍ فاضل
عندما تُذكر سيرة الأستاذ محمد علي العنسي، فإنك لا تذكر مجرد شخصٍ عابرٍ في الحياة، بل تذكر إنسانًا نادر المثال، جمع بين الأصالة والخلق، وبين العلم والتواضع، وبين الجد في العمل والسمو في التعامل. كان شخصيةً استثنائيةً في زمنٍ قلّت فيه النماذج المضيئة، فاستحق أن يُذكر اسمه مقرونًا بالاحترام والتقدير في كل مقامٍ يُذكر فيه الصالحون.
عرفته عن قربٍ في محطاتٍ متعددةٍ من حياته، منذ طفولته الأولى وحتى أصبح زميلًا وصديقًا ومرجعًا يُستأنس برأيه. وكان أول لقاءٍ بيني وبينه حين جمعتنا الجيرة الطيبة في حارة المحداد، بجانب مسجد القاضي، حيث كانت أسرته الكريمة من أفضل وأنبل الأسر التي عرفناها. كانوا مثالًا للطيبة والخلق والكرم، يتعاملون مع الناس بودٍّ واحترام، ويغرسون في أبنائهم القيم النبيلة، والروح الوديعة، والالتزام الديني العميق. وفي تلك البيئة المليئة بالمحبة والتقوى نشأ محمد علي العنسي، فانعكست عليه صفات أسرته ومحيطه، فكان منذ صغره محبوبًا بين أقرانه، مهذبًا في كلامه، رزينًا في سلوكه، جادًّا في نظرته للحياة.
ثم شاء الله أن تمتد معرفتي به إلى مرحلةٍ جديدة، حين كان أحد طلابي في مدرسة الإمام علي (كرم الله وجهه) في الصف السادس الأساسي تقريبًا، وذلك في عام 1992/1993م. كان من أوائل الطلاب ذكاءً واجتهادًا، يلفت الأنظار بانضباطه وأدبه الجمّ، وبأسلوبه الهادئ في الحوار والمناقشة. كان لا يكتفي بالإجابات السطحية، بل يسأل ويبحث ويستفسر بعمقٍ يدل على نضجٍ مبكرٍ وفهمٍ راقٍ. وقد لاحظت فيه آنذاك بذور شخصيةٍ قياديةٍ متزنة، وعقلاً علميًّا متفتحًا، وروحًا محبةً للعلم والمعرفة.
ومضت السنوات، لألتقي به مرة أخرى في معهد المعلمين، حيث كنت آنذاك وكيلاً للمعهد، وأشارك في تغطية بعض حصص اللغة العربية. وهناك ازداد إعجابي به لما وجدته عليه من حرصٍ على التحصيل العلمي، وجديةٍ في طلب المعرفة، وأدبٍ جمٍّ في التعامل مع زملائه ومعلميه. كان من النوع الذي يُصغي أكثر مما يتكلم، ويكتب أكثر مما يُجادل، يزن كلماته بميزان الحكمة، ويعطي لكل مقامٍ قدره واحترامه.
وبعد تخرجه من المعهد والجامعة، رأيته يسير بخطى ثابتة نحو مواصلة دراسته العليا، وقد شغف بالعلم حتى أصبح جزءًا من حياته اليومية، لا يملّ البحث، ولا يتوانى عن القراءة، ولا يرضى بأنصاف الحلول في الفهم أو التحليل. كان يُدرك أن طلب العلم عبادة، وأن العالم الحق هو الذي يجمع بين المعرفة والتقوى، وبين الفهم والإخلاص.
ثم شاء الله أن تجمعنا الحياة العملية مجددًا، لكن هذه المرة كزملاء في ميدان التربية والتعليم. وكنت أرى فيه المعلّم الملتزم برسالته، المخلص في أدائه، المتواضع في تعامله، والجاد في مسؤوليته. كان لا يبحث عن المظاهر أو الأضواء، بل يسعى بصمتٍ وعملٍ دؤوبٍ إلى خدمة طلابه وزملائه ومجتمعه. وكان حضوره في أي عملٍ إداري أو تربوي يبعث الطمأنينة، لأنه رجلٌ يعتمد عليه، يُنصت أكثر مما يتكلم، ويفعل أكثر مما يعد.
وما زادني تقديرًا له هو تعمقه في العلم الشرعي، فقد كان ذا إلمامٍ واسعٍ بالفقه وأصوله، وذا معرفةٍ متينةٍ بالنصوص والأدلة. كنت ألجأ إليه أحيانًا لأسأله عن بعض المسائل التي تُشكل عليّ، فكان يجيب بصدقٍ وسعة صدرٍ، ويستدلّ بعلمٍ وتأنٍ، وكأن كلامه يخرج من قلبٍ مخلصٍ قبل أن يخرج من عقلٍ واعٍ. كان كلامه موزونًا، لا إفراط فيه ولا تفريط، يحرص على إيصال الفكرة بلُطفٍ وأدبٍ، بعيدًا عن التعصب أو الجدال العقيم.
لقد كان الأستاذ محمد علي العنسي مدرسةً في الخلق والتواضع، ومثالًا في الجد والاجتهاد، ونموذجًا في الجمع بين العلم والعمل. كان يعيش للناس، لا لنفسه، ويمنح من وقته وجهده دون ترددٍ أو مَنّ. يحمل في داخله طيبةً خالصةً، وفي سلوكه وقارًا يفرض الاحترام على كل من يعرفه.
رحم الله الأستاذ محمد علي العنسي، وجزاه عن علمه وخلقه وإخلاصه خير الجزاء، وجعل ما تركه من أثرٍ طيبٍ في طلابه وزملائه وأصدقائه في ميزان حسناته. سيبقى اسمه حاضرًا في ذاكرة من عرفوه، نموذجًا للمربي الصادق، والعالم المتواضع، والإنسان النبيل الذي جمع بين جمال السيرة وصفاء السريرة.