بقلم: أحمد أحمد محمد الحسني

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحبه المنتجبين أجمعين.

نقف اليوم وقفة فخر واعتزاز لنستذكر رجلًا لم يكن مجرد معلم أو زميل في جامعة البيضاء، بل كان قدوة في الالتزام، وعنوانًا للتضحية، ومثالًا نادرًا في الجمع بين العلم والعمل، وبين الفكر والموقف، وبين الكلمة والفعل.

إنه الشهيد أبو زكريا المولد، الذي لم يكن اسمه مجرد رقمٍ في قوائم العاملين أو الحاضرين في الفعاليات، بل كان حضوره إشعاعًا متدفقًا في القلوب والعقول.

داخل أسوار الجامعة كان منارة وعي، وركيزة من ركائز التعليم النبيل، ومعلّمًا متفانيًا في أداء رسالته، يحمل همّ طلابه في كل لحظة، ويسعى لتطوير معارفهم وغرس القيم في نفوسهم.

كان يؤمن أن رسالة التعليم لا تقتصر على إيصال المعلومة، بل تتعداها لتكون تربيةً للنفوس وصناعةً للإنسان الواعي الملتزم بدينه ووطنه.

شارك الشهيد بفعالية في بناء الوعي السياسي والثقافي بين زملائه وطلابه، وكان من أوائل من رفعوا الصوت نصرةً لقضايا الأمة، وفي مقدمتها قضية فلسطين التي كانت محور اهتمامه الأول، وحديثه الدائم في المحافل والندوات والمجالس.

كان يعتبرها ميزان الكرامة للأمة، ومؤشر صدق الانتماء للإسلام، فغرس في من حوله حب المقاومة وروح العزة.

لم يتأخر يومًا عن المساهمة في الأنشطة الوطنية والثقافية داخل الجامعة وخارجها، وكان دائم الحضور في ساحات العمل التطوعي وخدمة المجتمع، مؤمنًا أن الجامعة ليست مجرد مؤسسة أكاديمية، بل هي قلب المجتمع النابض ومصنع الوعي والإصلاح.

ترك أثرًا لا يُمحى في قلوب زملائه وطلابه، إذ لم يكن مجرد معلمٍ يُدرّس، بل قدوة تُحتذى في الأخلاق، ورمزًا للمبادئ والقيم الأصيلة.

امتد عطاؤه خارج القاعات الدراسية ليشمل ميادين الحياة، حاملاً هموم الناس، ساعيـًا لخدمتهم، ومدافعًا عن قضاياهم، مخلصًا في أداء واجبه ومؤمنًا بأن العلم لا قيمة له إن لم يُسخّر في سبيل الحق والإنسان.

أما خارج أسوار الجامعة، فقد تجلى نوره بأبهى صورة؛ إذ كان مجاهدًا حقيقيًا، لا يكتفي بالكلام ولا بالموقف النظري، بل ترجم قناعاته إلى فعلٍ في الميدان.

لبّى نداء الواجب بشجاعة، مدافعًا عن دينه وأرضه وشعبه وكرامته، ووقف في صفوف المجاهدين بثباتٍ وإيمان، حتى ارتقى شهيدًا كما تمنى، مقبلًا غير مدبر، لتكون خاتمته وسام شرف على صدر الوطن، وعنوان مجدٍ خالدٍ في ذاكرة الأحرار.

لقد جمع الشهيد أبو زكريا بين القلم والبندقية، وبين الفكر والثورة، فكان رمزًا للوعي المقاوم، ونموذجًا فريدًا للطالب والمثقف والمجاهد في آنٍ واحد.

كان صمته دعوة، وحياته قصة، وشهادته عنوانًا للخلود.

لن تُنسى بصماته، ولن تمحوها الأيام، فدمه الزاخر بالعزة والكرامة ما زال حيًّا في القلوب، يذكّرنا أن طريق العلا محفوف بالتضحيات، وأن كل قطرة دمٍ زكية تُضيء درب الأمل، وتبشّر بيومٍ تُشرق فيه شمس النصر ويزول فيه الظلم.

رحم الله شهيدنا البطل أبا زكريا المولد، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه منارةً تضيء درب الأحرار، ودافعًا لنا جميعًا لنكمل الطريق على ذات المبادئ التي استشهد من أجلها، مخلصين لله، ثابتين على درب الكرامة والعزة.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.