بقلم: أنس عبدالسلام المولد.
ابن الشهيد عبدالسلام المولد وابن اخ الشهيد د/محمد علي المولد
في رحاب رجلٍ جمع الألقاب: تأبين لعالمٍ ووزير د/ محمد علي المولد ، ورحلة من الحزن إلى الأمل.
تمر الأيام ثقيلةً بطيئة، وكأن أنفاسها تتراقص حزناً على فراق رجلٍ لم يكن مجرد اسمٍ في سجل، أو منصبٍ في دائرة، بل كان قطعةً من نورٍ سكن القلوب قبل العقول، وغادرها قبل أوانٍ متوقع. رحل عنّا ، فخيّم السكون حيثما كان صوته يرتفع، واشتاقت المصلّى لخطواته الواثقة، وحَنّتْ قلوب تلاميذه إلى حِكَمه التي كانت تُشرق كالشمس في كلّ درس.
لقد كان – سلام الله عليه – حافظاً لكتاب الله، تتلوّى الآيات على لسانه فيخشع القلب، وترتاح الروح. لم يكن الحفظ حروفاً مجردة، بل كان حديقةً غنّاء، يقطف من ثمارها في كل موطن، فيجعل من حياته تفسيراً عملياً للقرآن. وكان عالمًا نادرًا، جمع بين فقه المذهبين الزيدي والشافعي، فاتسعت مداركه، وتزينت نفسه بآداب الاختلاف، فكان عالمًا جامعًا لا متعصبًا، ينظر إلى مسائل الفقه بعين الحكمة والاستنباط، لا بعين التقليد والجمود.
تلك العلوم التي تلقّاها على يد كبار العلماء، لم يكن يبخل بها، فتحولت إلى مدرسٍ لحلقات القرآن في المسجد، يغرس في النفوس حب الله وكتابه، ويخرج جيلاً يحمل الهمة واليقين. لم يقف علمه عند حدود المسجد، بل امتد ليكون أميناً عاماً للجامعة، فجمع بين حكمة العالم وهمة الإداري، يسعى في بناء العقول وتطوير المؤسسات، كأنه يبني صروحاً من العلم تناطح السحاب.
ثم جاءت محطته الأخيرة في الدنيا وزيراً للشباب والرياضة، ليجمع بين ثقافة العالم وحيوية الوزير، فكان خير من يتفهم هموم الشباب ويؤمن بطاقاتهم، يسعى ليكون لهم أباً روحياً وقائداً ملهماً، يريد لهم أن يكونوا جيلاً قويّاً في إيمانه، متميزاً في رياضته، صالحاً في مجتمعه.
اليوم، نحن نحتسي كأس الفراق المُرّ، ونتململ من ألم الغياب. حزنٌ يعتصر القلوب لأنه ذهب، وألمٌ لأن الصوت الحكيم قد غاب، والوجه المشرق قد اختفى عن الأنظار. لكنّ سيرته نفسها تهمس في آذان أحبائه: "لا تَحزَنوا.. فهذه سنة الحياة".
فها هو قد خلف وراءه إرثاً لا يموت: أمل في قلوب من علمهم القرآن. أمل في عقول من شبّ على منهجه. أمل في مؤسسة جامعية حَمَلَ لواء تطويرها. أمل في شباب رأى فيه قدوةً ونبراساً.
إن رحيله درسٌ لنا بأن العمر قصير، وأن الأعمال الصالحة هي الباقية. لقد عاش لدينه ولوطنه وشبابه، فكانت حياته شمعة تحترق لتضيء للآخرين. هذا هو الأمل الذي ينتصر على الحزن؛ أملٌ في لقاءٍ عند الله، أملٌ في أن تظل سيرته نبراساً يضيء الطريق، وأملٌ في أن يكون ما زرعه من خيرٍ في قلوب الناس شفيعاً له في قبره، ورفعةً في درجاته عند ربه.
{ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا }
رحمك الله يا من جمعت بين حِلية العلم وعزّة المنصب، ووظفتها جميعاً في خدمة دينك ووطنك. لقد قضيتَ نحبك، وتركتَ فينا الحزن على فراقك، ولكنك تركت فينا الأمل بنعمة الله ورضوانه.
عظم الله أجرنا وأجركم فيه، وألهم أهله ومحبيه الصبر والسلوان، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً.
رحمة الله تغشاة وسلام الله عليه .