بقلم: الدكتور ناجي المنصوب
ذكرياتي مع الشهيد الدكتور محمد علي أحمد المولد
حين يرحل العظماء، لا يغيبون عن الذاكرة، بل يزداد حضورهم في القلوب والضمائر.
ذلك هو حال الشهيد الدكتور محمد علي أحمد المولد — الوزير العالم، والمربي الفاضل، والإنسان الذي لم تفارق الابتسامة وجهه حتى في أحلك اللحظات.
عرفته أول مرة في عام 2006م، وكنت حينها طالبًا في المرحلة الأساسية في إحدى قرى الريف، بينما كان هو يعمل في محافظة البيضاء. كنت أتواصل معه عبر الهاتف والرسائل القصيرة، أسأله عن بعض المسائل الفقهية، فكان يجيبني دائمًا برحابة صدر واهتمام أبوي، رغم انشغالاته الكثيرة وأعبائه المتعددة.
منذ تلك اللحظة، نشأت بيني وبينه علاقة روحية وعلمية فريدة، علاقة التلميذ بأستاذه، والابن بأبيه، علاقة زرع فيها الحب والإخلاص والعلم والاحترام المتبادل.
كلما عاد إلى قريتنا في الأعياد والمناسبات، كان هو خطيب الجمعة الذي تنتظره القلوب قبل المآذن. كنا نصلي ثم نجلس في المقيل نستمع إلى مواعظه وكلماته المضيئة. كان حديثه يلامس القلب ويغذي العقل معًا، يحذرنا من الغزو الفكري، ومن محاولات الأعداء إبعاد الأمة عن عبادة الله وعن غرض وجودها الحقيقي. كنا نخرج من مجلسه ونحن نحمل فكرًا أنقى، وإيمانًا أعمق، وعزيمةً أشد.
ومع مرور السنوات، توثقت علاقتي به أكثر. كنت أراه كلما مرّ من الشارع الذي أعمل فيه؛ لا يمر دون أن يقف ويسلّم ويجلس قليلاً للحديث، يسأل عن أحوالي ويحدثني عن مشاريعه وأحلامه للأمة والشباب. كان يعتبرني واحدًا من أولاده، وكنت أراه أخًا وسندًا ومعلّمًا في آنٍ واحد.
ومن المواقف التي لا أنساها ما حدث يوم التقى بالشيخ يوسف الصلاحي، وكان بينهما حوار علمي راقٍ حول أحد الكتب. أهدى الشيخ الشهيد نسخة من مؤلفه، فابتسم الدكتور المولد وقال بكل تواضع:
> «هذه هدية ثمينة، وسأهديه أحد كتبي أيضًا».
في تلك اللحظة، أدركت كم كان يحترم الرأي الآخر، وكم كان بعيدًا عن التعصب والانغلاق. كان يرى في كل عالمٍ شريكًا في خدمة الدين، لا خصمًا في ساحة الجدل.
كان خطيبًا محبوبًا، فإذا صعد المنبر أصغى الجميع إليه، ولم يخرج أحد من المسجد حتى نهاية الخطبة. كنت أحرص على معرفة أين سيخطب كل جمعة، لأذهب وأستمع إليه مع أصدقائي. كانت كلماته تبعث الطمأنينة في النفوس، وخطبه تنطق بالصدق والإخلاص، فتُلهب الوجدان وتوقظ العزائم.
وفي عام 2018م، بعد أن استقر في باب المحجري بمدينة رداع، كنت أزوره في منزله، فأجده دائمًا بين كتبه، قارئًا أو كاتبًا. لم أره يومًا عاطلًا عن العلم أو الفكر. كانت مكتبته عامرة بالمؤلفات، يحدّثني عنها بحبٍّ وشغفٍ لا ينتهي، كأنما الكتب جزءٌ من روحه، والمطالعة غذاء يومي لقلبه.
ثم جاء عام 2019م، وتعرّض لحادث سير أثناء سفره من رداع إلى البيضاء. رافقته إلى المستشفى، وكنت إلى جواره بعد العملية. لم تفارق الابتسامة وجهه رغم الألم، وكان يقول لي وهو على سرير المرض:
> «الابتسامة صدقة، فلا تحزن».
تلك الكلمات بقيت محفورة في قلبي إلى اليوم، تذكّرني بأن المؤمن لا يفقد سكينته حتى في لحظات الوجع.
أما آخر لقاء بيني وبينه، فكان بعد تعيينه وزيرًا للشباب والرياضة. حضر فعالية تكريم لحفظة القرآن الكريم في جامعة البيضاء. صعدت المنصة واقتربت منه مازحًا لألفت انتباه رئيس الجامعة، فضحك ضحكة عميقة وقال لي مبتسمًا:
> «ابق بجانبي، طيّب».
أمسك بيدي ونحن ننزل من المنصة إلى ساحة الجامعة، ولم أكن أعلم أن تلك ستكون آخر لحظة تجمعنا في هذه الدنيا.
رحل الدكتور المولد كما عاش: ثابتًا على مبدئه، صادقًا في علمه، نقي السريرة، زاهدًا في الدنيا، زاهدًا في المظاهر والمناصب. عاش عالمًا ومربيًا ومصلحًا اجتماعيًا، ومات شهيدًا في سبيل الله والوطن.
لقد ترك وراءه إرثًا خالدًا من العلم والمواقف، وأجيالًا من تلاميذه يسيرون على نهجه، وينهلون من علمه، ويتذكرون ابتسامته التي كانت تفتح القلوب قبل الأبواب.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وجهاده في ميزان حسناته، وجزاه عن أمته خير الجزاء، وأسكنه فسيح الجنان في مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر.
أما أنا، فسيبقى في ذاكرتي ما حييت صوته الهادئ، وابتسامته الصافية، وعطفه الأبوي الذي لم يفارقني يومًا. لقد كان بالنسبة لي أكثر من صديق...
كان نموذجًا للإنسان الذي يعلّمك بالقدوة قبل الكلمة، وبالفعل قبل القول، وبالخلق قبل العلم.