بقلم: أ/ عبدالله محمد أبو الرجال
نائب رئيس مجلس أمناء جامعة البيضاء
"الشهيد الدكتور محمد المولد... نجمٌ أفلَ جسدُه وبقيَ ضوؤه يهدي القلوب"
حين يرحل الأوفياء، تنحني الأقلام حزنًا، وتصمت الحروف إجلالًا، وتبدو الدنيا ناقصة الضوء، باهتة النبض. وإن القلب ليُثقل حين ينادي الغياب باسمٍ كان في الحياة عنوانًا للنقاء والخلق والعلم، إنه الشهيد محمد المولد، الذي لم يكن مجرد صديقٍ عابر، بل كان روحًا ترافقك في الدرب، وتعلمك بصمتها معنى الوفاء.
عرفته يوم كان أمينًا عامًا لجامعة البيضاء، فرأيتُ في وجهه سكينة العلماء، ووجدت في قوله رجاحة الحكماء، وفي سلوكه نقاء الأتقياء. كان يمشي بين الناس تواضعًا، ويعاملهم بعينٍ ترى الجميع سواء، لا يتكبر بعلمه، ولا يستعلي بمنصبه، بل كان يرى في كل من حوله أخًا وشريكًا في حمل رسالة الحياة.
كان -رحمه الله- نهرًا رقراقًا من العلم، يفيض عطاءً كلما اقتربت منه، وسماءً من الحلم لا يضيق صدرها بالسائلين.
في حضرته تشعر أنك أمام رجلٍ وهبه الله صفاء الروح، وعمق الفكرة، ورهافة الإحساس. لم يكن يرى في المناصب إلا ميدانًا للخدمة، ولا في العمل إلا عبادةً في محراب الوطن.
وحين تولى وزارة الشباب والرياضة، كان كالفجر حين يبزغ، يحمل للنفوس إشراقة الأمل، وللشباب شعلة الحلم. أحبهم كأنهم أبناؤه، فغرس فيهم روح التحدي، ورسم لهم ملامح الطريق نحو غدٍ أجمل، مؤمنًا أن بناء الإنسان أسمى من بناء الحجر، وأن الوطن لا ينهض إلا بسواعد مؤمنةٍ وعقولٍ مستنيرة.
لقد كان الشهيد محمد المولد رجلًا يجمع بين الصرامة والرقة، بين الحكمة والعاطفة، بين الحزم والتسامح. كان إذا تحدث أسرك منطقه، وإذا عمل أدهشك إخلاصه، وإذا غاب ترك خلفه فراغًا لا يُملأ.
رحيله ليس فاجعة صديقٍ لصديقه فحسب، بل فاجعة وطنٍ فقد أحد أنقى رجاله. غاب جسده، لكن سيرته باقية، وعطر أخلاقه لا يزال يفوح في أروقة الجامعة، وفي كل مكان خط فيه خطواته المباركة.
سلامٌ عليك يا صديقي الشهيد، يا من علمتني أن العظمة لا تُقاس بالمنصب، بل بالخلق، وأن المجد لا يُورث، بل يُكتسب بالعمل النزيه والعطاء النبيل. سلامٌ عليك يوم وُلدت طاهر السيرة، ويوم عشت كريم الخلق، ويوم رحلت شهيدًا إلى ربك راضيًا مرضيًا.
نم قرير العين يا محمد، فذكرك باقٍ فينا، وسيرتك مشعلٌ لا ينطفئ، واسمك نقشٌ خالدٌ في ذاكرة الوفاء. رحمك الله رحمةً واسعة، وجعل الفردوس الأعلى منزلك، وجمعنا بك في دارٍ لا يُفترق فيها الأحبة.