بقلم : أ.طه علي العبسي

مدير عام الاعلام والعلاقات العامة - جامعة البيضاء

*الشهيد أبو زكريا... مدرسة في الإيمان والإنسانية*

يُعد الشهيد أبو زكريا واحدًا من النماذج القيادية الفريدة التي تركت بصمة خالدة في مسيرة العمل الإداري والوطني، فمنذ أن عرفتة في العام 2015، وأنا أشعر أنني أمام رجل استثنائي، لا يشبه الآخرين. كان بالنسبة لي الأب الذي أستند إليه، والأخ الكبير الذي أطمئن بقربه، والمرشد الذي يوجهني في ديني و حياتي لم يكن مشرفًا عامًا لمدينة رداع انذاك فحسب، بل كان مدرسة متكاملة في الإيمان والأخلاق والقيادة.

لم يكن الشهيد مجرد قائد إداري، بل كان مدرسة في الأخلاق والجهاد، ومرجعًا دينيًا وثقافيًا واجتماعيا لكل من عايشه. فقد أفاد الكثيرين في مجال القرآن الكريم وتفسيره، وكان حاضرًا للإجابة عن الاستفسارات الدينية والحياتية، ناصحًا ومرشدًا بحكمة وهدوء، مما جعل له مكانة خاصة في قلوب من عرفوه.

لقد استفدت منه كثيرًا في مجال الدين والقرآن، فكم من مرة كنت أتصل به أستفسر عن مسائل دينية أو أمور حياتية، فيجيبني بكل صدق وإخلاص، لا يضجر ولا يتأخر، بل كان دائمًا حاضرًا بروحه النقية ونصحه الصادق.

كان يقف دائمًا إلى جانب الحق، ينصف المظلوم، ويتحدث بلسان الصدق، لا يخشى في الله لومة لائم. لم أره يومًا يتكبر على أحد أو يظلم أحدًا، بل كان قريبًا من الناس جميعًا، يفتح قلبه قبل بابه، وينصح بحكمة وهدوء يبعثان الطمأنينة في النفوس.

في كل موقف جمعني به، كنت أشعر أنني أمام رجل يعيش القرآن عمليًا، ويجسّد المسيرة القرآنية خير تمثيل. كان ثابتًا لا يتزحزح عن مبادئه، متواضعًا رغم مكانته، وصادقًا رغم كل ضغوط الحياة. تعلمت منه الكثير، ليس بالكلمات فقط، بل من خلال مواقفه وأفعاله التي تركت أثرًا عميقًا في داخلي.

وحين تم تعيينه أمينًا عامًا لجامعة البيضاء، ازددت قربًا منه، وكنت أحتك به بشكل مباشر. وهناك رأيت الجانب الإداري في شخصيته: كان نعم الإداري المحنك، الحليم، الذي لا يخاصم أحدًا ولا يختلف مع أحد، بل كان مرجعية لكل الموظفين، يجمع ولا يفرق، وينصف ولا يظلم. لم يكن منصبه وسيلة للسلطة، بل أداة لخدمة الناس ورعاية شؤونهم بالعدل والحكمة.

ثم جاءت مرحلة جديدة في حياته حين تم *تعيينه وزيرًا للشباب والرياضة* في العاصمه صنعاء. يومها اتصلت به لأبارك له بالمنصب الكبير، وكنت أظن أنه لن يجيب على اتصالي، فقد صار شخصية كبيرة ومسؤولًا رفيعًا مشغولًا. لكن المفاجأة أنه رد عليّ فورًا، وبكل تواضع وحب قال *لي: "مرحبًا بابني طه."*

هذا الموقف علّمني درسًا عظيمًا: أن المناصب تكليف وليست تشريف، وأن الرجل الصالح حين يوضع في المنصب المناسب يصبح هو مكسبًا للمكان وليس العكس. عندها أدركت أن أبا زكريا لم يكن يتغير بتغير المناصب، بل كان هو ذاته الرجل المؤمن الصادق، القريب من الناس، الكبير بتواضعه قبل منصبه.

ولا أنسى اللحظة التي سمعت فيها خبر استشهاده. لم أستوعب الخبر بدايةً، وضاقت بي الأرض بما رحبت، وحزنت حزناً شديداً، فقد فقدنا رجلاً بحجم وطن، كان نعم الاخ ونعم الاب ونعم الناصح والمرشد.

لقد جسّد الشهيد أبو زكريا في حياته معنى القيادة الصالحة، والإيمان الصادق، والإنسانية النقية. كان نموذجًا للرجل القرآني الذي يعيش مبادئه واقعًا، ويترجم إيمانه عملًا. ورحيله لم يكن خسارة لشخص واحد، بل خسارة لأمة بأكملها.

رحم الله الشهيد (أبو زكريا)، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء، وجزاه عنا وعن الأمة خير الجزاء. سيبقى حيًا في قلوبنا، حاضرًا في ذكرياتنا، خالدًا في سيرته العطرة، التي ستظل منارة تهدي الأجيال.