بقلم : أنس محمد عبدالرزاق
أبو زكريا كم عرفناه سيرة لاتُكتب، بل تُعاش
لم يكن الدكتور محمد علي المولد، "أبو زكريا"، رجلاً نُعدّه من أهل المناصب، بل من أهل القلوب. لم يكن يُشبه الوزراء الذين نراهم في نشرات الأخبار، بل يُشبه من نراهم في لحظاتنا الصعبة، حين نحتاج من يُنصت، لا من يُلقي خطابًا. كان إذا جلس بين الناس، جلس كواحدٍ منهم، لا يُشعرهم أنه فوقهم، بل يُشعرهم أنهم فوق الجراح، فوق اليأس، فوق الانكسار.
كان يُحب أن يُنصت أكثر مما يتكلم، وكان إذا تكلم، تكلم كما يتكلم من عاش ما يقول، لا من قرأه. لم يكن يُحب أن يُقال عنه شيء، بل أن يُقال عن من حوله إنهم بخير. كان يُخفي نفسه كما يُخفي الوليّ عبادته، وكان إذا ابتسم، شعر من حوله أن الحياة ما زالت تحتمل الصبر، وأن الله ما زال يُرسل لنا من يُذكّرنا به.
لم يكن علمه وسيلةً للظهور، بل وسيلةً للستر. كان يُعلّم الناس كيف يُفكرون، لا كيف يُكررون، وكان يُحب أن يرى أثر علمه في حياة الناس، لا في شهاداتهم. وكان يُؤمن أن العلم لا يُثمر إلا إذا سكنه التواضع، وأن المعرفة لا تُنقذ إلا إذا حملها قلبٌ نقيّ، لا عقلٌ متفاخر.
أما أخلاقه، فكانت تُشبه من يُربّي الناس على الصمت، لا على الصراخ. كان يُسامح دون أن يُضعف، ويُعاتب دون أن يُجرّح، ويُدافع عن الحق دون أن يُهين أحدًا. وكان إذا غضب، غضب لله، لا لنفسه، وإذا رضي، رضي بالعدل، لا بالمجاملة. وكان إذا وعد وفى، وإذا اؤتمن لم يخن، وإذا خُيّر بين مصلحته ومصلحة الناس، اختارهم دون تردد.
وحين تولى وزارة الشباب والرياضة، لم يتغيّر . لم يُبدّل لهجته، ولم يُغيّر ثوبه، بل ظل كما هو: رجلًا يرى في الشباب أملًا لا يُشترى، وطاقةً لا تُستغل، وكرامةً لا تُساوم. كان يُصغي إليهم، يُحاورهم، يُشركهم في القرار، ويُعلّمهم أن الوطن لا يُبنى بالوعود، بل بالعمل، وأن الكرامة لا تُمنح، بل تُنتزع بالوعي والمثابرة.
ثم جاء اليوم الذي لا يُنسى. يومٌ لم يُعلن فيه استشهاد رجل، بل غياب قلبٍ كان يُربّي القلوب. استُهدف أبو زكريا في عدوانٍ غاشم، لا لأنه يُهدد أحدًا، بل لأنه يُربّي جيلًا. لم يكن يحمل سلاحًا، بل كان يحمل موقفًا. لم يكن يُخطط لحرب، بل كان يُخطط لحياة. لكنهم قتلوه، لأنهم لا يحتملون من يُذكّرهم بأن الإنسان لا يُشترى، وأن الكرامة لا تُقصف.
رحل أبو زكريا، ولم نكن مستعدين. لم نودّعه كما يليق، ولم نُقبّل جبينه الأخير، ولم نُخبره كم نحتاجه الآن. تركنا في زمنٍ لا يُشبهه، في أيامٍ لا تُنصت، في واقعٍ لا يُربّت على كتف أحد . تركنا ونحن نُحاول أن نُكمل، لكننا نُكمل ناقصين، نُكمل ونحن نبحث عنه في كل رجلٍ نراه، فلا نجده.
رحمك الله أبا زكريا، وأسكنك فسيح جناته، وجعل ذكرك حيًا في قلوبنا، كما كنت حيًا في ضمائرنا . لقد كنت رجلًا لا يُرثى، بل يُبكى عليه كما يُبكى على الأب حين يغيب، وعلى المعلم حين يصمت، وعلى الإنسان حين يُغتال وهو يُحاول أن يُنقذنا من أنفسنا.