كلمة الأسرة
مقال عن أسرة الشهيد
بقلم نجله علي محمد علي المولد
بسم الله الرحمن الرحيم
(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ)
"إلى روح أبي الحبيب، ومعلمي الأول، الشهيد الدكتور/ محمد علي أحمد المولد (أبو زكريا)...
لقد كان والدنا الشهيد – غفر الله له – مثالاً نادراً يجمع بين تواضع العلماء وعزّة المجاهدين. لقد كان لنا نحن أسرته، نعم الأب نعم الزوج ونعم الأخ والصديق.
علمنا أن قيمة العلم ليست في الشهادات وحدها، بل في خدمة الناس، وأنّ حُب الدين والوطن ليس شعاراً يُرفع، بل تضحية تُقدّم وليس ادعاءًا زائفا ولا كلمات تُردد؛ إنما عملٌ دؤوب ومواقف ثابتة في سبيل العزة والكرامة.
وقد عاش فينا أنموذجاً صادقاً للمثقف المجاهد والعالم العامل.
نتذكره حين كان يضيء الليل بقراءة الكتب وتحضير الدروس! وكيف كان يعود إلى البيت متعباً؛ لكنه لا يتوقف عن السؤال عن أحوالنا ودراستنا، والابتسامة لا تفارق محيّاه.
بعد العلم والتعليم: كان شغفه بالعلم نبراساً يضيء طريقه، مُذ كان طفلاً ثم طالباً متفوقاً بدراسته إلى أن أصبح أستاذاً جامعياً وباحثاً لغوياً مرموقاً.
لم يكن يعتبر العلم مجرد شهادةً تُعلّق على الحائط، بل كان أمانةً ينقلها إلى الطلاب في الفصول الدراسية، وفي حلقات المساجد، وفي قاعات الجامعات.
كان يؤمن أن بناء العقول هو أساس في بناء الأمة والحضارة والنهضة.
بعد التربية والبناء:
لم يكن دوره مقتصرٌ على التدريس، بل كان موجهاً ومرشداً.
يتذكره طلابه كيف كان يمزج علم النحو بسيرة النبي، ودروس البلاغة بآيات القرآن، ويحرص أن يفهم كل طالب درسه بأسلوب راقٍ وروحية مهتمة حريصة عليهم ورحيمة بهم ومراعية لهم؛ ليبني فيهم الشخصية المتوازنة، العارفة بأمور دينها، المرهفة بإحساسها، المدركة لمسؤوليتها.
"الشهيد الذي لم يُنسنا يومًا دفء الأبوة"
كان أبي الشهيد، رحمه الله، رجلٌ لا يُشبهه أحد رغم صلابته في المواقف، كان قلبه أحنّ من الغيم على اهل بيته. كان الحضن الآمن، والسند القوي لنا، والضحكة التي تُنسينا هموم الدنيا.
في بيته، لم يكن مجرد أب، بل كان الروح التي تبث في المكان حياة.
كان يسهر على راحتنا، يسأل عن تفاصيلنا الصغيرة، ويحرص على أن لا ينقصنا شيء، لا حبًا، ولا دفئًا، ولا حنانًا.
ولم يكتف بأن يكون لنا سندًا ومصدر أمان، بل كان يزرع فينا الحب لله ويشعرنا بحلاوة نور الإيمان.
جلساته معنا كانت مليئة بالحب... وكان يعلّمنا القرآن بصوته الهادئ، وكأن كل آية تحمل دعاءً لنا.
علّمنا أن الحرف من كتاب الله عبادة، وأن القرب من الله طريق القوة والسكينة.
حين يدخل البيت، نشعر أن الطمأنينة دخلت معه؛ صوته، ضحكته، حتى صمته... كان له طابع خاص لا يُنسى.
علّمنا كيف يكون الحب عطاء، وكيف تكون الرجولة ممزوجة بالرحمة.
مرحلة الجهاد والمسيرة القرآنية:
حمل هم وطنه على كتفيه منذ ما قبل ثورة 11 فبراير، وكان مشاركا فاعلا فيها، ثم وصولاً إلى ثورة 21 سبتمبر المجيدة.
تحمل تهديدات تنظيم القاعدة الإرهابي وغيرها من التنظيمات التي تشتغل لخدمة أمريكا وإسرائيل، وقد قاموا بهدم منزلنا في محافظة البيضاء، ثم قاموا بملاحقته ونحن معه لم يتركنا ولم ننفصل عنه، لكن إيمانه الراسخ بقضيته جعله صامداً كالجبل. لم يتخلَّ عن موقفه الديني الوطني حتى آخر نفس، ليكون شهيداً وهو على ثغر وزارة الشباب والرياضة، يحمل مشروعاً طموحاً لبناء جيلٍ واعٍ، معزز بالهوية الإيمانية، محصّن بالفكر والثقافة والإيمان.
أبانا...
نورنا...
سندنا...
قدوتنا...
أنفسنا وروحنا..
أنتَ – بإذن الله – في علّيّين، سعيدٌ مطمئنّ، تشرب من أنهار الجنة، وأما نحن فأيتامُ فَقدِكَ، لا حول لنا ولا قوة إلا بالله. نسأل الرحيم أن يتلطّف بنا، وأن يسكب على قلوبنا سكينةً، ويشفي صدورنا بنصره القريب.
البيضاء كانت بيته الثاني، وأهلها إخوته، وطلابها أبناؤه. وهذا الكتاب هو امتداد لبيته، بيت العلم الذي بناه طوال حياته. إنه يذكرنا بأن أباً لم يغب، بل أصبح فكرة تسكن كل من عرفه، وعلماً ينتفع به، وذكرى تدفعنا لنكون أفضل.
شكراً لكل من ساهم في إخراج هذا العمل، ليبقى شمعة تنير الطريق للأجيال القادمة، وليعلم الجميع أن شهداءنا أحياء عند ربهم يرزقون.
لَكَ يا شَهيدَنا الأَقدَسُ، لا نَقولُ وَداعًا، بَل إِلى اللِّقاء...
إِلى اللِّقاءِ مَعَ انتِصارِ الدَّمِ عَلَى السَّيفِ
إِلى اللِّقاءِ فِي الشَّهادَةِ
إِلى اللِّقاءِ فِي جِوارِ الأَحِبَّةِ
عهدنا إليك...لن نترك السّلاح، وهذا الطّريقُ سَنُكمِلُهُ وَلَوِ استُشهِدنا جَميعًا.
والسَّلامُ عَلَيكَ فِي عِليائِكَ، وَعَلى رِفاقِكَ الشُّهَداءِ، وَرَحمَةُ اللهِ وَبَركاتُه.
رحمك الله يا أبانا، وأسكنك فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين."