ترجمة الحبيب العلامة حسين محمد الهدار - مفتي محافظة البيضاء
الخاصة بالدكتور الشهيد محمد بن علي المولد
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على أشرفِ الأنبياءِ والمُرسلين، سيدِنا محمدٍ الصادقِ الأمين، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
وبعدُ، فإنَّ الحديثَ عن العلماءِ الأجلاءِ والمُربينَ الأفاضلِ هو حديثٌ عن مناراتٍ أشرقت بنورِ العلم، وأسهمت في بناءِ العقولِ وتنويرِ الأجيال.
وإذا تكلَّمنا أو كتبنا عن الأستاذِ القديرِ والمعلِّمِ الجليلِ الشهيدِ محمدِ بنِ عليٍّ المولد، فإننا نتحدَّث عن شخصيةٍ علميةٍ حوت في أروقتها كثيرًا من المعارف والعلوم.
وإذا تكلمنا أو كتبنا عن الأستاذ القدير والمعلم الجدير الشهيد محمد بن علي المولد،
فهو مدرسة علمية حوت في أروقتها كثيرًا من المعارف والعلوم التي نحن في أمسّ الحاجة إليها في هذا العصر، الذي قلّ فيه العلماء الأعلام الذين يحيون ما أمات الناس من المعارف والعلوم.
لقد نهل الأستاذ القدير من معين تلك المعارف حتى الثمالة، واكتسب كثيرًا من الفوائد العقلية والنقلية، وتردد على أرباب الفقه والأدب، فصُقلت حصيلته من فوائدهم وجواهر معارفهم حتى أصبح علمًا يضاهي أولئك العلماء الأعلام.
وقد عُرف بادئ ذي بدء في مدارس مدينة البيضاء، واستفاد منها كثيرًا، فقد التحق منذ نعومة أظفاره بعدد من المدارس في طلب العلم الشريف، وما هي إلا فترة حتى علت مكانته بين طلاب العلم، فالتحق برباط الهدّار للعلوم الشرعية، وأخذ عن مشايخه في أصناف العلوم العقلية والنقلية، وعلى رأسهم فضيلة السيد العلامة محمد بن عبدالله الهدّار مفتي محافظة البيضاء، ومؤسس رباط الهدّار للعلوم الشرعية.
ونأتي على بقية فقرات هذا البحث.
محتويات الترجمة
- النسب والمولد والنشأة
- بداية رحلته في القرآن والتعليم النظامي
- رحلته في العلم الشرعي
- مشايخه وإجازاته
- أقوال العلماء فيه
- مؤلفاته
- أعماله
- استشهاده
النسب والمولد والنشأة
هو الأستاذ الدكتور الشهيد محمد بن علي بن أحمد بن محمد بن عبدالسلام بن عبدالله بن ناصر المولد المشهور بلقب (العنسي).
ولد رحمه الله سنة 1393هـ الموافق 1973م في ربوع محافظة ذمار، وتحديدًا في قرية بيت المولد التابعة لمديرية مغرب عنس.
تشرب من تلك القرية الريفية الحالمة صفات ظلت في شخصيته إلى أن استشهد. وكما أن الطبيعة والتضاريس تبني جزءًا من شخصية من عاش فيها، فإن القرية لم تكن مكانًا للنشأة فحسب، بل كانت المدرسة الأولى التي غرست فيه الهمة والعزيمة والصبر والنقاء.
جبالها غرسَت في نفسه العزيمة والإرادة الصلبة، وحقولها علمته الصبر والجدّ كالفلاح الذي يتعب في أرضه ليحصد في موسمه، فصار أكثر صبرًا في طلب العلم وأكثر جَلَدًا في تحصيله. أما صفاء أجوائها فقد أورثته قلبًا نقيًا ونفسًا زكية وأخلاقًا صافية، فخرج منها رجلًا ثابت الجذور باسق الغصون.
ثم انتقل إلى مدينة البيضاء مع أسرته في السابعة من عمره مرافقًا والده الذي كان يعمل عسكريًا في القاعدة الإدارية. وكان هذا الانتقال نقلة عجيبة من جمال الطبيعة وهدوئها إلى رحاب العلم ومعاهده، وكأن الله هيأ له أرضًا أوسع ليغرس فيها بذور نبوغه.
بداية رحلته في القرآن والتعليم النظامي
فما إن استقر في مدينة البيضاء حتى التحق بحلقات القرآن الكريم، فدرس على يد الأستاذ سالم الحضرمي عام 1980م في رياض مسجد الشيخ عمر بن إبراهيم، ذلك المسجد التاريخي الذي كان معمورًا بالعلم والمعارف، وتعاقب على القيام فيه أسر علمية ومشايخ فضلاء كـ آل الطيار وآل العيدروس وآل الهدار وغيرهم.
ثم سلك طريق التعليم النظامي الحديث، فدرس المرحلة الابتدائية في مدرسة الكويت، ثم التحق بـ معهد المعلمين (نظام خمس سنوات)، وتخرج منه مدرسًا، ثم تابع مشواره التعليمي حتى نال الماجستير والدكتوراه قبل سبعة أشهر من استشهاده.
رحلته في طلب العلم الشرعي
لم يكن التعليم النظامي كافيًا لشغفه المتأجج بالعلم، فكان قلبه متعلقًا بمجالس العلماء منذ صغره. كان يتردد على المجالس العلمية العامة التي كان يقيمها الحبيب محمد بن عبدالله الهدّار في رباط الهدّار، والدروس التي كان يلقيها الحبيب زين بن إبراهيم بن سميط في فقه المذهب الشافعي.
ثم ألقى عصا الترحال في رباط الهدّار ليأخذ عن مشايخه علوم الفقه، الحديث، التفسير، الفرائض، النحو، الصرف، وغيرها.
تتلمذ على يد:
- الحبيب حسين بن محمد الهدّار
- الحبيب زين بن إبراهيم بن سميط
- الحبيب عمر بن حفيظ
- الشيخ عبدالله بن صالح الخشيبي
وغيرهم من العلماء.
ومع دراسته كان يعمل لضيق الحال، إذ نشأ في أسرة فقيرة اليد غنية القلب ترى في العلم أغلى من كنوز الدنيا. عمل في المخبز العام التابع للجيش آنذاك ليشتري به كتابًا أو دفتراً أو قلمًا يروي به ظمأ قلبه للعلم.
استمر على هذا الحال حتى تمكن من فروع المذهب الشافعي وأجازه مشايخه فيه. ولم يتوقف، بل تتلمذ أيضًا على عدد من علماء الزيدية الذين قدموا إلى البيضاء قضاةً في محاكمها، منهم السيد قاسم غمضان والسيد محمد بن علي الحمزي الفران، ثم السيد يحيى بن يحيى الدار، فدرس عليه في كتب: التاج المذهب، الأجرومية، قطر الندى، الطراز، شرح الكافل، علي إمام المتقين وغيرها.
كما أخذ عن السيد العلامة عبدالرحمن أبو طالب في النحو والمعاني والبيان والبديع ومنظومة البيقونية ومثلثة قطرب وجزء من كتاب الله برواية نافع. ثم واصل الأخذ عن علماء صنعاء حتى أجيز منهم.
مشايخه وإجازاته
أخذ عن عدد كبير من العلماء الأعلام، ونال منهم الإجازة، ومنهم:
- العلامة الحجة حمود عباس المؤيد
- العلامة يحيى بن يحيى الدار
- السيد عبدالرحمن أبو طالب
- الحبيب حسين بن محمد الهدّار
- الشيخ عبدالجبار محمد محمد ينعم – أجازه في سماع القرآن وحفظه برواية حفص عن عاصم
- القاضي محمد بن أحمد العزاني
- الشيخ عبدالله صالح الخشبي
- الحبيب زين بن إبراهيم بن سميط
- الحبيب عمر بن حفيظ
- السيد قاسم غمضان
- السيد محمد بن علي الحمزي الفران
- السيد حمود الدولة
- السيد عبدالله الحبسي
أقوال العلماء فيه:
- العلامة يحيى بن يحيى الدار
قال في إجازته له:
"طلب مني الطالب النبيل محمد بن علي بن أحمد مولد العنسي إجازة لما قرأ عندي، ولعلمي بأنه أهل لذلك لما يتمتع به من فهم صادق ووعي كبير ومثابرة على الدروس."
- السيد عبدالرحمن أبو طالب
قال في إجازته بعد انتقاله إلى البيضاء:
"لقد كان في باكورة الطليعة الذين أخذوا على يدي، وكان أكثرهم تعطشًا وأوسعهم فهمًا وأكثرهم همة، وكان حاثًّا على كشف قناع أي مشكلة في البحوث. فهو بحق عالم الشباب في تلك المحافظة."
- الحبيب حسين الهدّار
قال في تذييله على إجازة السيد عبدالرحمن أبو طالب:
"عرفت الولد محمد بن علي العنسي طالبًا صالحًا ومثابرًا على الدروس العلمية، ذا خلفية علمية لا يُستهان بها، وأملي أن يستمر في الدراسة ويكرع من معينها العذب الرقراق. زاده الله من كل خير ونفعه ونفع به."
مؤلفاته:
- سورة مريم – دراسة لغوية (رسالة ماجستير).
- إلى فلذات الأكباد – مختصر في سيرة المصطفى (صلى الله عليه وعلى آله وسلم).
- إغاثة السائل بخلاصة المسائل – مختصر في الفقه على طريقة السؤال والجواب.
- نصوص الولاية – دراسة سياقية في ضوء الدراسات اللغوية المعاصرة
- ألفاظ محكية من منطقة مغرب عنس بمحافظة ذمار – دراسة معجمية مقارنة (رسالة دكتوراه).
وله عدد من المقالات في مجلة الاعتصام الصادرة عن رابطة علماء اليمن.
أعماله:
تدرج الشهيد في عدد من المناصب التربوية والإدارية، منها:
- أمين عام جامعة البيضاء
- مسؤول مكتب المظالم في البيضاء
- رئيس فرع جامعة القرآن الكريم في البيضاء
- عضو رابطة علماء اليمن
- وزير الشباب والرياضة
استشهاده:
اختير الدكتور محمد بعناية لهذا المنصب المهم، واستطاع خلال فترة وجيزة وضع خطة نوعية لتعزيز الهوية الإيمانية من خلال دمج الأنشطة الثقافية والدينية مع الرياضة، وبناء وعي الشباب وتحفيزهم لمواجهة الحرب الناعمة والأفكار الدخيلة.
وقد عُيّن في منصبه تزامنًا مع دخول اليمن مرحلة جديدة من الإسناد والدعم لأشقائنا في غزة، فكان دائم التحريض على مواجهة العدو الصهيوني، وداعمًا لقضية الأمة الأولى في محاضراته وخطبه وخروجه الأسبوعي إلى الساحات.
نال ما تمنى، حيث أكرمه الله بالشهادة في سبيله يوم الخميس 5 ربيع الأول 1447هـ الموافق 28 أغسطس 2025م، أثناء اجتماع مدني لمناقشة تسهيل أمور المواطنين، فارتقى إلى ربه مع ثلة من زملائه الوزراء.
فهنيئًا لهم تلك المراتب العُليا والمقامات المحمودة التي نالوها برحمة الله وفضله، وعمدوها بدمائهم الطاهرة الزكية.
رحم الله الشهيد الدكتور محمد علي المولد رحمة الأبرار، وجزاه عن أمته خير الجزاء.
ونسأل الله أن يجعلنا من المجاهدين في سبيله، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.